You are on page 1of 159

‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬

‫‪1‬‬

‫بسم هللا الرمحن الرحيم‬

‫احلمد هلل الذي خلق خلقه أطوارا‪ ،‬وصرفهم يف أطوار التخليق كيف شاء عزة‬
‫واقتدارا‪ ،‬وأرسل الرسل إىل املكلفني إعذارا منه وإنذارا‪ ،‬فأمت هبم على من اتبع‬
‫سبيلهم نعمته السابغة‪ ،‬وأقام هبم على من خالف مناهجهم حجته البالغة‪،‬‬
‫فنصب الدليل‪ ،‬وأ انر السبيل‪ ،‬وأزاح العلل‪ ،‬وقطع املعاذير‪ ،‬وأقام احلجة‪،‬‬
‫وأوضح احملجة‪ ،‬وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئال يكون للناس حجة على‬
‫هللا إن خالفوا أمره‪ ،‬فعمت الدعوة مجيع خلقه على ألسنة رسله حجة منه‬
‫وعدال‪ ،‬وخص ابهلداية من شاء منهم نعمة منه وفضال‪ ،‬فقبل نعمة اهلداية من‬
‫سبق ت له من هللا سابقة السعادة‪ ،‬وتلقاها ابليمني‪ ،‬وردها من غلبت عليه‬
‫الشقاوة ومل يرفع هبا رأسا بني العاملني‪ ،‬فهذا فضله وعطاؤه‪ ،‬وال فضله مبمنون‪،‬‬
‫عما يفعل وهم يسألون‪.‬‬ ‫وهذا عدله وقضاؤه فـال يسأل ّ‬
‫وأشهد أن ال إله إال هللا وحده ال شريك له‪ ،‬كلمة قامت هبا األرض‬
‫والسم اوات‪ ،‬وفطر هللا عليها مجيع املخلوقات‪ ،‬وعليها أسست امللة‪ ،‬ونصبت‬
‫القبلة‪ ،‬وألجلها جردت سيوف اجلهاد‪ ،‬وهبا أمر هللا سبحانه مجيع العباد‪ ،‬وهي‬
‫فطرة هللا اليت فطر الناس عليها‪ ،‬ومفتاح عبوديته اليت دعا األمم على ألسن‬
‫رسله إليها‪ ،‬وهي كلمة اإلسالم‪ ،‬ومفتاح دار السالم‪ ،‬وأساس الفرض والسنة‪،‬‬
‫ومن كان آخر كالمه‪ :‬ال إله إال هللا‪ ،‬دخل اجلنة‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪2‬‬

‫وأشهد أن حممدا عبده ورسوله وخريته من خلقه‪ ،‬وحجته على عباده‪ ،‬وأمينه‬
‫على وحيه‪ ،‬أرسله رمحة للعاملني‪ ،‬وقدوة للعاملني‪ ،‬وحمجة للسالكني‪ ،‬وحجة‬
‫على املعاندين‪ ،‬وحسرة على الكافرين‪.‬‬

‫أرسله ابهلدى ودين احل ق بني يدي الساعة بشريا ونذيرا‪ ،‬وداعيا إىل هللا ذإذنه‬
‫وسراجا منريا‪ ،‬وأنعم به على أهل األرض نعمة ال يستطيعون هلا شكورا‪ ،‬فأمده‬
‫مبالئكته املقربني‪ ،‬وأيده بنصره وابملؤمنني‪ ،‬وأنزل عليه كتابه املبني‪ ،‬الفارق بني‬
‫اهلدى والضالل‪ ،‬والغي والرشاد‪ ،‬والشك واليقني‪.‬‬

‫فشرح هللا له صدره‪ ،‬ووضع عنه وزره‪ ،‬ورفع له ذكره‪ ،‬وجعل الذلة والصغار‬
‫كر‬
‫على من خالف أمره‪ ،‬وأقسم حبياته يف كتابه املبني‪ ،‬وقرن امسه ابمسه‪ ،‬فإذا ذُ َ‬
‫كر معه‪ ،‬كما يف اخلطب والتشهد والتأذين‪ ،‬وافرتض على العباد طاعته وحمبته‬ ‫ذُ َ‬
‫والقيام حبقوقه‪ ،‬وسد الطرق كلها إليه وإىل جنته فلم يفتح ألحد إال من طريقه‪،‬‬
‫فهو امليزان الراجح الذي على أخالقه وأقواله وأعماله توزن األخالق واألقوال‬
‫واألعمال‪ ،‬والفرقان املبني الذي ابتباعه متيز أهل اهلدى من أهل الضالل‪.‬‬

‫أما بعد‪:‬‬

‫فإن أوىل ما يتنافس فيه املتنافسون‪ ،‬وأحرى ما يتسابق يف حلبة سباقه‬


‫املتسابقون‪ ،‬ما كان بسعادة العبد يف معاشه ومعاده كفيال‪ ،‬وعلى طريق هذه‬
‫السعادة دليال‪ ،‬وذلك العلم النافع‪ ،‬والعمل الصاحل‪ ،‬اللذان ال سعادة للعبد إال‬
‫هبما‪ ،‬وال جناة له إال ابلتعلق بسببهما‪ ،‬فمن رزقهما فقد فاز وغنِم‪ ،‬ومن‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪3‬‬

‫حرمهما‪ :‬فاخلري كله حرم‪ ،‬ومها مورد انقسام العباد إىل مرحوم وحمروم‪ ،‬وهبما‬
‫الغوي‪ ،‬والظامل من املظلوم‪.‬‬
‫يتميز الرب من الفاجر‪ ،‬والتقي من ّ‬
‫وملا كان العلم للعمل قرينا وشافعا‪ ،‬وشرفه لشرف معلُ ِ‬
‫ومه اتبعا‪ ،‬كان أشرف‬
‫العلوم على اإلطالق علم التوحيد‪ ،‬وأنفعها على أحكام أفعال العبيد‪ ،‬وال‬
‫سبيل إىل اقتباس هذين النورين‪ ،‬وتلقي هذين العلمني‪ ،‬إال من مشكاة من‬
‫قامت األدلة القاطعة على عصمته‪ ،‬وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته‬
‫ومتابعته‪ ،‬وهو الصادق املصدوق‪ ،‬الذي ال ينطق عن اهلوى‪ ،‬إن هو إال وحي‬
‫( ‪)1‬‬
‫يوحى‪.‬‬

‫وإن من علم التوحيد الواجب أن يعلم العبد مقتضياته ومدلوالت كلمة ال إله‬
‫ك وال حاكم‬ ‫إال هللا‪ ،‬واليت من معانيها أن احلكم هلل وحده ال شريك له ال ملِ ٍ‬
‫وال رئيس وال قانون‪ ،‬ويعلم أن من نواقض كلمة التوحيد احلكم بغري شريعة هللا‬
‫اليت أنزهلا على رسوله ﷺ واستبداهلا بقوانني ومواثيق من صنع البشر القاصرين‬
‫اجلاهلني‪.‬‬

‫وقد كان هذا األصل اثبتا ال يتزعزع وراسخا ال يهتز عند السلف األوائل‪ ،‬حىت‬
‫جاء زمن غربة الدين وأهله‪ ،‬ودخلت البدع يف دين كثري من الناس‪ ،‬وصارت‬
‫السنة بدعة والبدعة سنة‪ ،‬واملنكر معروفا واملعروف منكرا‪ ،‬فأصبح عندهم أن‬
‫العدل هو احلكم ابلقانون البشري الوضعي والتخلف والضالل والتطرف هو‬
‫احلكم بشريعة احلكيم اخلبري‪ ،‬وقد ال نعجب من أانس رموا كتاب هللا وراء‬

‫(‪ )1‬اقتبست املقدمة من مقدمة كتاب (إعالم املوقعني) البن القيم رمحه هللا بتصرف‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪4‬‬

‫ظهورهم وانطلقوا أيخذون معتقداهتم من العلمانيني وامللحدين‪ ،‬فإن كل إانء‬


‫مبا فيه ينضح‪ ،‬وإمنا العجب العُجاب هو من أولئك املتسرتين بلباس الدين‬
‫جيوزون فعله‬
‫كذاب وزورا‪ ،‬حينما يدافعون عمن حيكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬أو ّ‬
‫بشبهات ب دعية‪ ،‬أو من جيعل املستمسك هبذا األصل(‪ )1‬ويدعو له ويك ّفر من‬
‫تركه وب ّدله من جنس اخلوارج املارقني الذين قاتلوا الصحابة رضي هللا عنهم‪.‬‬

‫فهؤالء مجيعا لبسوا على الناس دينهم ونشروا بينهم الشبهات فاتفقوا كلهم مع‬
‫اختالف التوجهات والنيات على التهوين من شأن هذا األصل والدعوة إليه‬
‫والتحذير من تركه‪ ،‬حىت صار عند الناس مبنزلة مسائل الفروع اليت جيوز فيها‬
‫اخلالف‪ ،‬فكان لزاما على كل من عرف احلق أن يرد ابطلهم ويفند شبهاهتم‬
‫مبا استطاع‪ ،‬فإن هذا أحد نوعي اجلهاد يف سبيل هللا‪.‬‬

‫فقمنا مستعينني ابهلل تعاىل برد شبهاهتم ونسفها من أصوهلا‪ ،‬ليحىي من حي‬
‫عن بينة ويهلك من هلك عن بينة‪ ،‬وقبل كل ابب قدمنا أصوال يُبىن عليها ما‬
‫بعدها‪ ،‬ألن الرد على الشبهات ال يكون إال عن أصول اثبتة حىت ال يكون‬
‫املرء متقلبا مع كل ريح‪ ،‬مث نعرض الشبهات والرد عليها وجها وجها نفنّد‬
‫أصوهلا وفروعها حىت أنيت عليها كلها ذإذن هللا‪.‬‬

‫ومع هذا فما دام الكاتب من البشر‪ ،‬فإنه جيوز عليه اخلطأ والنسيان والزلل‪،‬‬
‫فإن ُوفّقنا فيما كتبنا فمن هللا وحده‪ ،‬وإن كان من خطأ فمنّا ومن الشيطان‬

‫(‪ )1‬أي قضية احلكم مبا أنزل هللا‪.‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪5‬‬

‫وس ّد‬
‫نعوذ ابهلل منه‪ ،‬فما وجدت أيها القارئ من ذلك شيئا فالتمس العذر ُ‬
‫جل من ال عيب فيه وعال‪.‬‬
‫اخللل‪ ،‬إذ ّ‬
‫َ‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪6‬‬

‫اّلل من الديـن‬
‫منزلة احلكم مبا أنـزل ه‬
‫‪ .1‬احلكم مبا أنزل هللا من توحيد الربوبية (التوحيد العلمي)‪:‬‬

‫ومن خصائص الربوبية التشريع‪ ،‬فهو من معاين ال إله إال هللا كما قال تعاىل‪:‬‬
‫{ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ }( ‪. )1‬‬

‫ذكر تفرده سبحانه ابحلكم مث بني أنه جيب أن يعبد به‪ ،‬فاعتقاد األول هو‬
‫التوحيد العلمي‪ ،‬وامتثال الثاين هو التوحيد العملي‪ ،‬واملقصود ابحلكم هنا‬
‫التشريع‪ ،‬فواجب على كل مكلف أن يوحد هللا به‪ ،‬وذلك أبن يعتقد أن‬
‫فشرع‬
‫األحكام ال تُقبل من غري هللا تعاىل‪ ،‬فمن انزع هللا سبحانه التشريع ّ‬
‫ُحكما من دون هللا فقد انزع هللا يف الربوبية وكان طاغوات‪ ،‬ومن اختذه مشِّرعا‬
‫فنقض‬
‫َ‬ ‫أو َح َك ًـما من دون هللا فهو مشرك‪ ،‬ألنه قَبِل بغري هللا ِّ‬
‫مشرعا ُمطاعا‬
‫{ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬ ‫توحيد الربوبية‪ ،‬والدليل قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ‬
‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ }( ‪.)2‬‬

‫قال ابن جرير رمحه هللا(‪(" :)3‬أراباب من دون هللا) يعين سادةً هلم من دون هللا‪،‬‬
‫يطيعوهنم يف معاصي هللا‪ ،‬فيحلون ما أحلُّوه هلم مما قد َّ‬
‫حرمه هللا عليهم‪ِّ ،‬‬
‫وحيرمون‬
‫حيرمونه عليهم مما قد أحلَّه هللا هلم"‪ .‬اهـ‬
‫ما ِّ‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬سورة التوبة‪.11:‬‬
‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)414/11‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪7‬‬

‫ففي اآلية صنفان‪:‬‬

‫‪ ‬صنف انزعوا هللا يف خصائصه من أفعال الربوبية فشرعوا األحكام من عند‬


‫أنفسهم فسماهم هللا أراباب‪.‬‬
‫‪ ‬وصنف قبِل هذا التشريع منهم وأطاعهم فيه‪ ،‬فحكم هللا عليهم أبهنم‬
‫مشركون‪.‬‬

‫‪ .2‬احلكم مبا أنزل هللا من توحيد األلوهية (التوحيد العملي)‪:‬‬

‫فتوحيد األلوهية هو توحيد هللا سبحانه وتعاىل ابألعمال اليت أمر هبا‪ ،‬ومنها‬
‫احلكم بشرعه والتحاكم له فهو عبادة ال جتوز لغري هللا تعاىل‪ ،‬ومن صرف منها‬
‫شيئا لغري هللا تعاىل فقد أشرك‪ ،‬قال تعاىل‪{ :‬ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ‬
‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ‬ ‫} (‪ ،)1‬وقال سبحانه‪:‬‬
‫ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ‬
‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ } ( ‪. )2‬‬

‫فجعل التحاكم للطاغوت سببا يف إبطال اإلميان املزعوم‪ ،‬ألن نفس اإلميان‬
‫يقتضي الكفر ابلطاغوت برتك التحاكم له‪ ،‬ومن فعل العكس بطل إميانه‪،‬‬
‫فالذي حيكم أو حيتكم لغري حكم هللا تعاىل من الطواغيت كالقانون الوضعي‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬سورة النساء‪.04:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪8‬‬

‫أو الدستور أو غري ذلك مما ُش ِّرع من دون هللا‪ ،‬قد أشرك ابهلل تعاىل يف حكمه‬
‫ولو حكم ببعض ما فيه أو خلطه مع حكم هللا تعاىل‪.‬‬

‫وقال تعاىل‪{ :‬ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ} (‪.)1‬‬

‫قال الشيخ حممد األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪" :)2‬قرأ هذا احلرف عامة السبعة‬
‫وضم الكاف على اخلرب‪،‬‬
‫شرك" ابلياء املثناة التحتية‪ّ ،‬‬‫ما عدا ابن عامر "وال يُ ُ‬
‫وال انفية‪ ،‬واملعىن‪ :‬وال يُشرك هللا جل وعال أحدا يف حكمه‪ ،‬بل احلكم له وحده‬
‫حرمه‪ ،‬والدين‬
‫جل وعال ال حكم لغريه البتة‪ ،‬فاحلالل ما أحلّه تعاىل‪ ،‬واحلرام ما ّ‬
‫ّ‬
‫ما شرعه‪ ،‬والقضاء ما قضاه‪.‬‬

‫شرك" بضم التاء املثناة الفوقية وسكون‬‫وقرأه ابن عامر من السبعة‪" :‬وال تُ ْ‬
‫الكاف بصيغة النهي‪ ،‬أي‪ :‬ال تشرك اي نيب هللا‪ ،‬أو ال تشرك أيها املخاطب‬
‫أحدا يف حكم هللا جل وعال‪ ،‬بل أخلص احلكم هلل من شوائب شرك غريه يف‬
‫احلكم‪ ،‬وحكمه جل وعال املذكور يف قوله‪ :‬وال يشرك يف حكمه أحدا شامل‬
‫لكل ما يقضيه جل وعال‪ ،‬ويدخل يف ذلك التشريع دخوال أوليا"‪ .‬اهـ‬

‫‪ .3‬احلكم مبا أنزل هللا من توحيد األمساء والصفات‪:‬‬

‫(‪ )1‬سورة الكهف‪.20:‬‬


‫(‪ )2‬أضواء البيان (‪)144/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪9‬‬

‫إن من اإلميان ابهلل اإلميان أبمسائه وصفاته سبحانه‪ ،‬والواجب أن يفرد هبا وحده‬
‫ال شريك له بال متثيل وال حتريف وال تعطيل وال تكييف‪ ،‬وأن يعمل مبقتضى‬
‫املعاين اليت دلت عليها‪ ،‬ومن أمساء هللا تعاىل احلَ َكم ومن أفعاله احلُ ْكم‪.‬‬

‫قال تعاىل‪{ :‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ}(‪،)1‬‬


‫وقال تعاىل‪{ :‬ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ}(‪ ،)2‬وقال تعاىل‪{ :‬ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ}(‪،)3‬‬
‫وعن هانئ بن يزيد رضي هللا عنه أن رسول هللا ﷺ قال‪" :‬إن هللا هو احلكم‪،‬‬
‫وإليه احلكم"(‪.)4‬‬

‫قال اخلطايب رمحه هللا (‪" :)5‬هو الذي ُسلِّم له احلكم‪ ،‬ورد إليه فيه األمر"‪ .‬اهـ‬

‫ومعىن التسليم والرد يف األمر هو توحيده به‪ ،‬واألمر هو أحكام هللا وتشريعه‬
‫لعباده‪ ،‬فوجب إفراده به هبذا املعىن‪ ،‬واختاذ شريك هلل يف حكمه أو التحاكم‬
‫لغري هللا سبحانه يناقض إفراده ابسم احلكم وصفة احلكم‪.‬‬

‫قال ابن القيم رمحه هللا(‪ )6‬عن احلكم الشرعي‪" :‬فهذا حقه أن يُ َّ‬
‫تلقى ابملساملة‬
‫والتسليم وترك املنازعة بل ابالنقياد احملض‪ ،‬وهذا تسليم العبودية احملضة‪ ،‬فال‬
‫يعارض بذوق وال وجد وال سياسة وال قياس وال تقليد وال يُرى إىل خالفه‬

‫(‪ )1‬سورة األنعام‪.114:‬‬


‫(‪ )2‬سورة املائدة‪.1:‬‬
‫(‪ )1‬سورة التني‪.8:‬‬
‫(‪ )4‬أخرجه البخاري يف األدب املفرد (‪ )811‬وأبو داود يف السنن (‪ )4544‬والنسائي يف السنن (‪ ،)4184‬بسنده جيد‪.‬‬
‫(‪ )4‬شأن الدعاء ص ‪.01‬‬
‫(‪ )0‬طريق اهلجرتني (‪.)44/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪11‬‬

‫سبيال البتة‪ ،‬وإمنا هو االنقياد احملض والتسليم واإلذعان والقبول‪ ،‬فإذا َّ‬
‫تلقى‬
‫هبذا التسليم واملساملة إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر وتسليم آخر له‪،‬‬
‫إرادةً وتنفي ًذا وعمال‪ ،‬فال تكون له شهوة تنازع مراد هللا من تنفيذ حكمه كما‬
‫مل تكن له شبهة تعارض إميانه وإقراره‪ ،‬وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم‬
‫من شبهة تعارض احلق وشهوة تعارض األمر"‪ .‬اهـ‬

‫حممدا رسول هللا ﷺ‪:‬‬


‫‪ .4‬احلكم مبا أنزل هللا من مقتضى شهادة أن ه‬
‫فالشهادة له ابلنبوة توجب اتباع ما أُنزل عليه واحلكم به والتحاكم له‪ ،‬فمن‬
‫حكم بغري ما أنزله هللا من قانون وضعي وحنوه أو حتاكم له‪ ،‬فليس مبؤمن ابلنيب‬
‫{ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ‬ ‫ﷺ ولو زعم ذلك ونطق به‪ ،‬قال تعاىل‪:‬‬
‫ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬
‫ﯕﯖﯗﯘﯙ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ‬
‫ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ} (‪.)1‬‬

‫فقرر فيها أمرين‪:‬‬

‫‪ ‬أن احلكمة من إ رسال الرسل هي طاعتهم مبا أذن هللا فيه‪ ،‬ومن طاعتهم‬
‫احلكم مبا بعثوا به والتحاكم هلم‪ ،‬ألن سياق اآلايت السابقة والالحقة يف قضية‬
‫احلكم والتحاكم‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04-04:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪11‬‬

‫‪ ‬وأن من مل حي ّكم النيب ﷺ عند مواضع النزاع والشجار فليس مبؤمن‪ ،‬ونفي‬
‫اإلميان هنا نفي ألصله ال لكماله‪ ،‬فهو نفي حقيقي‪.‬‬

‫رد شيئا‬
‫قال أبو بكر اجلصاص رمحه هللا(‪" :)1‬يف هذه اآلية داللة على أن من َّ‬
‫رده من‬‫من أوامر هللا تعاىل أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج من اإلسالم‪ ،‬سواءً ّ‬
‫جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول واالمتناع من التسليم‪ ،‬وذلك يوجب‬
‫صحة ما ذهب إليه الصحابة يف حكمهم ابرتداد من امتنع من أداء الزكاة‬
‫وقْتلِ ِهم ِْ‬
‫وسيب ذراريهم ألن هللا تعاىل حكم أبن من مل يسلّم للنيب ﷺ قضاءه‬
‫وحكمه فليس من أهل اإلميان"‪ .‬اهـ‬

‫تعلم أن نفي اإلسالم عمن‬


‫وهبذا البيان عن عالقة احلكم مبا أنزل هللا ابلتوحيد‪ُ ،‬‬
‫مل حيكم مبا أنزل هللا أو حتاكم لغري ما أنزل هللا من شرائع الطاغوت كالقوانني‬
‫الوضعية أو األعراف اجلاهلية وحنوها هو القول احلق الذي ال ينبغي غريه وهو‬
‫احملكم الواضح الذي ال يعرتض عليه املتشاهبات‪.‬‬

‫فإايك اي أخا اإلسالم أن تسمع لشبهات املبطلني وحتريفات الزائغني الذين‬


‫يهونون من شأهنا أو جيعلون الكالم عليها من جنس كالم الرافضة عن اإلمامة‪،‬‬
‫فتلك قضية وهذه قضية وليس بينهما أي عالقة أبي وجه‪ ،‬وإمنا يفعله البطّالون‬
‫واملنافقون ترقيعا للطواغيت للبقاء يف حكمهم‪ ،‬وتلبيسا على املسلمني لئال‬
‫يقوموا عليهم بسبب كفرهم‪ ،‬وفيما يلي نورد بعض هذه الشبهات اليت يتعلق‬
‫احملرفون ملعا ين كالم رب العاملني‪ ،‬ونرد عليها مبا يبطلها إن شاء هللا‪.‬‬
‫هبا هؤالء ّ‬

‫(‪ )1‬أحكام القرآن للجصاص (‪)181/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪12‬‬

‫ولكن قبل ذلك عليك حبفظ تلك األصول السابقة‪ ،‬فإهنا أصل العلم هبذه‬
‫املسألة فمىت ما ضبطها اإلنسان سلم قلبه من كل شبهة ترد عليه من أهل‬
‫التمسك ابألصول قبل الفروع هو الطريقة العلمية السليمة اليت حتفظ‬
‫األهواء‪ ،‬و ّ‬
‫اإلنسان من األفهام اخلاطئة والتأويالت املنحرفة‪.‬‬

‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪" :)1‬ال بد أن يكون مع اإلنسان أصول‬
‫كلية يرد إليها اجلزئيات ليتكلم بعلم وعدل‪ ،‬مث يعرف اجلزئيات كيف وقعت‪،‬‬
‫وإال فيبقى يف كذب وجهل يف اجلزئيات وجهل وظلم يف الكليات فيتولد فساد‬
‫عظيم"‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬منهاج السنة النبوية (‪)81/4‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪13‬‬

‫شبهات املبتدعة حول احلكم بغري ما أنزل هللا‬

‫‪ ‬فصل يف بيان معىن الشبهة وأسباهبا‪:‬‬

‫حد الشبهة‪ :‬قال الفريوزآابدي رمحه هللا(‪" :)1‬والشُّبهة‪ ،‬ابلضم‪ :‬االلتباس‪ ،‬واملثل‪،‬‬ ‫ُّ‬
‫وشبِّه عليه األمر تشبيها‪ :‬لـبِّـس عليه"‪ .‬اهـ‬
‫ُ‬
‫وقال ابن القيم رمحه هللا(‪" :)2‬وإمنا مسيت الشبهة شبهةً الشتباه احلق ابلباطل‬
‫س ثوب احلق على جسم الباطل"‪ .‬اهـ‬ ‫فيها‪ ،‬فإهنا تُـ ـ ْلـبَ ُ‬
‫أسباب الشبهات‪:‬‬

‫يروجه‬
‫اعلم أن صاحب اهلوى ال بد له من دليل يستدل به على ابطله حىت ّ‬
‫لشبهة يف قوله‪ ،‬إما‬
‫بني الناس‪ ،‬وإال ُرَّد قوله أبنه ال دليل عليه‪ ،‬مث إن منشأ ا ُّ‬
‫ِ‬
‫وموضعه‪،‬‬ ‫أن يرجع لنفس الدليل الذي يستدل به أو لوجه االستدالل به‬
‫أو للناظر يف الدليل‪ ،‬فهي ثالث صور‪:‬‬

‫وجعلِه‬
‫‪ .1‬أن يرجع السبب لنفس الدليل وذلك ابستدالله ابلدليل الضعيف‪ْ ،‬‬
‫أصال وقاعدة لقوله الباطل‪.‬‬
‫ولكن نظر صاحب اهلوى فيه غري صحيح مما‬‫‪ .2‬أن يكون الدليل صحيحا‪ْ ،‬‬
‫يُنتج حكما ابطال‪ ،‬وهذه أخطر أسباب الشبهات اليت يكثر فيها التلبيس على‬
‫الناس‪.‬‬

‫(‪ )1‬القاموس احمليط ص (‪.)1244‬‬


‫(‪ )2‬مفتاح دار السعادة ص (‪.)154‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪14‬‬

‫فإن الدليل هو‪ :‬ما يوصل بصحيح النظر فيه إىل مطلوب خربي‪ ،‬ومعىن النظر‬
‫هو إعمال الفكر يف الدليل‪ ،‬ومبعىن آخر هو طرق االستنباط املوصلة الستخراج‬
‫حصل‬
‫احلكم من الدليل‪ ،‬هذه الطرق منها صحيح إذا أعملها الناظر يف الدليل ّ‬
‫منها علما صحيحا‪ ،‬ومنها ابطل إذا نُ ِظر يف الدليل هبا أنتـجت األقوال الباطلة‬
‫والشبهات‪.‬‬

‫فليس كل ما استدل به املبتدعة وأهل األهواء على شبهاهتم ضعيف يف نفسه‪،‬‬


‫إمنا الضعف والبطالن يف وجه االستدالل به والنظر فيه‪ ،‬ألن نظر صاحب‬
‫نظر من اعتقد‬ ‫اهلوى يف الدليل الصحيح ليس نظر ٍ‬
‫للحق منه‪ ،‬إمنا ُ‬
‫طالب ّ‬ ‫َ‬
‫طوع األدلة الصحيحة يف نفسها لتقوية قوله ابلنظر‬‫شبهة هبواه مث ذهب يُ ِّ‬
‫الفاسد فيها‪ ،‬فيكون دليله ابطال من هذا الوجه‪.‬‬

‫وهذا النظر الباطل يكون بطريقني‪:‬‬

‫‪ ‬إما بـتحريف النص احملكم وصرفه عن ظاهره ابلتأويل الباطل‪ ،‬أو زعمهم أنه‬
‫ليس من النصوص احملكمة ليعطلوا داللته‪.‬‬
‫ِ‬
‫‪ ‬وإما ابتباع املتشابه دون رده للمحكم‪ ،‬فيجعلون املتشابه خ َ‬
‫نجرا تُطعن به‬
‫النصوص احملكمة ويُعرتض به عليها‪.‬‬

‫طرق أهل الزيغ الذين حذران هللا منهم يف قوله‪{ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ‬ ‫وكالمها من‬
‫ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪15‬‬

‫ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ‬
‫ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ } ( ‪. )1‬‬

‫فبني سبحانه أن هناك نوعني من األدلة حمكم ومتشابه‪ ،‬وأن هناك نوعني من‬
‫النظر فيها‪:‬‬

‫‪ ‬نظر الراسخني يف العلم‪ :‬وطريقهم مع احملكم األخذ به وجعله أصال يُعتمد‬


‫عليه يف االستدالل‪ ،‬وأما املتش ابه وهو ما ال يظهر منه معناه بنفسه‪ ،‬فإما أن‬
‫عارض به احملكم‪.‬‬
‫يردوه للمحكم وحيُمل عليه‪ ،‬فإن مل ميكن محله عليه ال يُ َ‬
‫‪ ‬نظر أهل الزيغ‪ :‬وطريقهم مع احملكم‪ :‬بتحريف احملكم وصرفه عن ظاهره‬
‫ومدلوله فيجعلون الدليل احملكم من املتشابه ليسلَم هلم حتريفه‪ ،‬حىت ال يُعرتض‬
‫عليه م أبن احملكم ال يصرف عن ظاهره لوضوح معناه‪ ،‬وأما املتشابه فال يردونه‬
‫للمحكم بل يعارضون به احملكمات ويقدمونه عليها‪.‬‬

‫مث هاهنا قاعدة مهمة‪:‬‬

‫وهو أن كل دليل وقع فيه اشتباه أو إمجال واحتاج ملفسر خارجي‪ ،‬فال يصح‬
‫جعله دليال مستقال‪ ،‬والنظر فيه على أنه دليل مستقل ال يُنتج إال الشبهة‪.‬‬

‫فصفة الدليل الصحيح‪:‬‬

‫‪ ‬أن يكون حمكما يظهر املراد منه يف نفسه دون احتياج لغريه‪.‬‬
‫‪ ‬أال يكون معا ِرضا ألصل قطعي‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة آل عمران‪.4:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪16‬‬

‫‪ ‬أال يكون لفظا جممال أو مشرتكا‪.‬‬

‫وصفة املتشابه أو الشبهة‪:‬‬

‫‪ ‬أ ْن ال يظهر معناها إال بغريها‪.‬‬


‫‪ ‬أن يكون فيها إمجال واشرتاك يف األلفاظ أو املعاين‪.‬‬
‫‪ ‬أهنا قد تعا ِرض أصال قطعيا بظاهرها‪.‬‬

‫قال الشاطيب رمحه هللا(‪ )1‬مقررا هذا‪:‬‬

‫وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل يف احلقيقة‪ ،‬حىت‬
‫صل قطعي‪،‬‬ ‫يتبني معناه ويظهر املراد منه‪ ،‬ويُشرتط يف ذلك أ ْن ال يعارضه أ ٌ‬
‫ّ‬
‫فإذا مل يظهر معناه إلمجال أو اشرتاك‪ ،‬أو عارضه قطعي كظهور تشبيه‪ ،‬فليس‬
‫بدليل‪ ،‬ألن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا يف نفسه‪ ،‬وداال على غريه‪ ،‬وإال‬
‫احتيج إىل دليل عليه‪ ،‬فإن دل الدليل على عدم صحته‪ ،‬فأحرى أ ْن ال يكون‬
‫دليال‪ .‬اهـ‬

‫وعلى هذا فالنظر الصحيح يف املتشابه أال يعرتض به على احملكمات‬


‫عارض الكلي ابجلزئي‪،‬‬
‫والقطعيات‪ ،‬ألنه من اجلزئي واحملكم من الكلي وال يُ َ‬
‫وحينئذ فالواجب أن حيمل على ما يوافق القطعي إن أمكن‪ ،‬وإال فالعمل‬
‫ابلقطعي ُمق ّدم‪ ،‬ومن قدم املتشابه عليه فهو من أهل الزيغ كما تقدم‪.‬‬

‫(‪ )1‬االعتصام (‪.)42/2‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪17‬‬

‫قال الشاطيب رمحه هللا(‪ )1‬عن املتشابه وكيفية النظر فيه‪:‬‬

‫األصول الكلية‪ ،‬ألن الفروع اجلزئية إن مل‬


‫َ‬ ‫ض الفروعُ اجلزئية‬‫وال ميكن أن تعا ِر َ‬
‫تقتض عمال‪ ،‬فهي يف حمل التوقف‪ ،‬وإن اقتضت عمال‪ ،‬فالرجوع إىل األصول‬
‫هو الصراط املستقيم‪.‬‬

‫تأو ُل اجلزئيات حىت ترجع إىل الكليات‪ ،‬فمن عكس األمر‪ ،‬حاول شططا‪،‬‬ ‫ويُ ّ‬
‫ودخل يف حكم الذم‪ ،‬ألن متّبع الشبهات مذموم‪ ،‬فكيف يعتد ابملتشاهبات‬
‫دليال؟ أو يبىن عليها حكم من األحكام؟ وإذا مل تكن دليال يف نفس األمر‪،‬‬
‫فجعلها دليال بدعة حمدثة هو احلق‪ .‬اهـ‬

‫‪ .3‬عدم الرسوخ يف العلم وفهم مقاصد الشريعة ومعاين كالم العرب‪.‬‬

‫فإن اجلهل ابألمرين دليل على عدم الرسوخ يف العلم‪ ،‬ومن مل يكن راسخا يف‬
‫العلم إن نظر يف األدلة فلن ينظر إال جبهل ولن حيصل من نظره إال الشبهات‪،‬‬
‫ولذلك ال جيوز له النظر ما دام جاهال بطرق االستنباط وقواعده‪ ،‬وهذا الناظر‬
‫إن كان من أهل األهواء فهو أشد فحري أال يؤخذ منهم‪ ،‬ألنه مع جهله فهو‬
‫ينظر نظر الزائغني الذين ال يريدون إال الفتنة واالعرتاض على احملكمات‬
‫الواضحات‪.‬‬

‫وبعد هذه املقدمة نعلم أمهية معرفة منشأ الشبهات وأسباهبا‪ ،‬ألن العلم أبصوهلا‬
‫معني على إبطاهلا‪ ،‬ولكن قبل هذا على اإلنسان أن ميأل قلبه من العلم الصحيح‬

‫(‪ )1‬املرجع السابق‪.‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪18‬‬

‫احملكم الواضح حىت يكون يقينا يف نفسه أو اثبتا ال يهتز مع ورود رايح‬
‫قل كان أتثري الشبهات أخطر‪.‬‬
‫الشبهات عليه‪ ،‬فإن العلم كلما ّ‬
‫قال ابن القيم رمحه هللا (‪:)1‬‬

‫الشبهة وارد يَـ ِرد على القلب حيول بينه وبني انكشاف احلق له فمىت ابشر‬
‫القلب حقيقة العلم مل تؤثر تلك الشبهة فيه‪ ،‬بل يقوى علمه ويقينه بردها‬
‫الشك أبول‬
‫ومعرفة بطالهنا‪ ،‬ومىت مل يباشر حقيقة العلم ابحلق قلبُه قَ َد َحت فيه َّ‬
‫وهلة‪ ،‬فإن تداركها وإال تتابعت على قلبه أمثاهلا حىت يصري شاكا مراتاب‪.‬‬

‫والقلب يتوارده جيشان من الباطل جيش شهوات الغي وجيش شبهات الباطل‬
‫فينضح لسانه وجوارحه‬
‫تشرهبا وامتأل هبا‪َ ،‬‬
‫فأميا قلب صغا إليها وركن إليـها‪ّ ،‬‬
‫مبوجبها‪ ،‬فإن أشرب ش بهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات‬
‫لس َعة علمه‪ ،‬وإمنا ذلك من عدم علمه‬
‫واإليرادات‪ ،‬فيظن اجلاهل أن ذلك َ‬
‫ويقينه‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬مفتاح دار السعادة ص (‪.)154-154‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪19‬‬

‫شبهات حول احلكم بغري ما أنزل هللا‬

‫‪ ‬الشبهة األوىل‪:‬‬

‫كفرا أكرب‪ ،‬بل هو من ابب كفر‬


‫قوهلم أ هن احلكم ابلقوانني الوضعية ليس ً‬
‫دون كفر استدالال‪ ،‬بقول ابن عباس رضي هللا عنهما يف قوله تعاىل‪{ :‬ﮤ‬
‫ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ } ( ‪. )1‬‬

‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬

‫‪ .1‬أن هذا األثر ال يثبت‪ :‬فقد أخرجه هبذا اللفظ احلاكم يف املستدرك(‪.)2‬‬

‫وأخرجه سعيد بن منصور يف سننه(‪ )3‬واملروزي يف تعظيم قدر الصالة(‪ )4‬واخلالل‬


‫يف السنة(‪ )5‬وابن أيب حامت يف التفسري(‪ )6‬وابن بطة يف اإلابنة(‪ )7‬بلفظ‪" :‬ليس‬
‫ابلكفر الذي تذهبون إليه"‪.‬‬

‫وكال اللفظني روي من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن حجري عن طاوس‬


‫عن ابن عباس‪ ،‬وهو معلول بعلتني‪:‬‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬املستدرك على الصحيحني (‪ 101/4‬رقم ‪.)1201‬‬
‫(‪ )1‬سنن سعيد بن منصور‪-‬كتاب التفسري (‪ 1482/4‬رقم ‪.)445‬‬
‫(‪ )4‬تعظيم قدر الصالة (ص ‪ 421‬رقم ‪.)405‬‬
‫(‪ )4‬السنة (‪ 104/2‬برقم ‪.)1415‬‬
‫(‪ )0‬تفسري ابن أيب حامت (‪ 1141/4‬رقم ‪)0414‬‬
‫(‪ )4‬اإلبانة الكربى (‪ 410/1‬رقم ‪.)1414‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪21‬‬

‫عف هشام بن حجري فقد ضعفه كبار األئمة‪:‬‬


‫ض ُ‬‫‪َ ‬‬
‫منهم اإلمام أمحد‪ :‬قال ابنه عبد هللا وسألته عن هشام بن حجري؟ فقال‪ :‬ليس‬
‫( ‪)1‬‬
‫هو ابلقوي‪ ،‬قلت هو ضعيف؟ قال‪ :‬ليس هو بذاك‪.‬‬
‫( ‪)2‬‬
‫وقال أيضا‪ :‬هشام بن حجري مكي ضعيف احلديث‪.‬‬

‫وحيىي بن معني‪ :‬قال عبد هللا بن أمحد‪ :‬سألت حيىي عن هشام بن حجري‬
‫( ‪)3‬‬
‫فضعفه جدا‪.‬‬

‫وحيىي بن سعيد‪ :‬قال علي بن املديين‪ :‬قرأت على حيىي بن سعيد‪ :‬حدثنا ابن‬
‫جريج عن هشام بن حجري‪ ،‬فقال حيىي بن سعيد‪ :‬خليق أن أدعه‪ ،‬قلت‪:‬‬
‫( ‪)4‬‬
‫أضرب على حديثه؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬

‫وأما قول أيب حامت‪ :‬يكتب حديثه(‪ ،)5‬فمعناه إذا توبع‪.‬‬

‫فإن قيل قد احتج به البخاري ومسلم‪ ،‬قلنا إمنا أخرجا له متابعة ال استقالال‪،‬‬
‫ومثل هذا ال يعد تقوية أو توثيقا‪ ،‬فحديثه على الراجح يقال فيه ممن إذا وافق‬
‫الثقات قُبِل‪ ،‬فإن انفرد ُرَّدت روايته‪ ،‬فكيف وإن خالف من هو ُ‬
‫أوثق منه وهي‬
‫العلة الثانية‪:‬‬

‫(‪ )1‬العلل ومعرفة الرجال (‪)184/1‬‬


‫(‪ )2‬العلل ومعرفة الرجال (‪.)442/1‬‬
‫(‪ )1‬العلل ومعرفة الرجال (‪.)14/1‬‬
‫(‪ )4‬اجلرح والتعديل (‪.)44/5‬‬
‫(‪ )4‬املصدر السابق‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪21‬‬

‫‪ ‬فقد رواه ابن طاوس عن طاوس عن ابن عباس بلفظ‪ :‬هي به كفر‪.‬‬

‫أخرجه عبد الرزاق يف التفسري واملروزي يف تعظيم قدر الصالة واخلالل يف‬
‫( ‪)1‬‬
‫السنة‬

‫وأما ما ورد يف بعض ألفاظه‪" :‬وليس كمن كفر ابهلل ومالئكته ورسله"‪،‬‬

‫فالصحيح أنه من قول عبد هللا بن طاوس ال من قول ابن عباس‪ ،‬كما تـُبيّنه‬
‫رواية عبد الرزاق عن معمر عنه حيث صرح به‪.‬‬

‫‪ .2‬الصحيح يف هذه اآلية أهنا نزلت يف اليهود لتبديلهم حكم هللا تعاىل واحلكم مبا‬
‫ب ّدلوه‪ ،‬أخرج مسلم يف صحيحه(‪ )2‬قصة سبب النزول من حديث الرباء بن‬
‫ـجلودا‪ ،‬فدعاهم‬‫عازب رضي هللا عنه قال‪ُ :‬م َّـر على النيب ﷺ بيهودي مـُ َح ّـم ًما م ْ‬
‫ﷺ‪ ،‬فقال‪" :‬هكذا جتدون ح ّد الزاين يف كتابكم؟‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فدعا رجال من‬
‫علمائهم‪ ،‬فقال‪" :‬أنشدك ابهلل الذي أنزل التوراة على موسى‪ ،‬أهكذا جتدون‬
‫الرجم‪،‬‬
‫أخربك‪ ،‬جنده َّ‬
‫حد الزاين يف كتابكم"‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ولوال أنك نَش ْدتَين هبذا مل ْ‬
‫ولكنه كثر يف أشرافنا‪ ،‬فكـنا إذا أخذان الشريف تركـناه‪ ،‬وإذا أخذان الضعيف‬
‫أقـمنا عليه احلد‪ ،‬قلنا‪ :‬تعالوا فلنجتمع على شيء نُقيمه على الشريف والوضيع‪،‬‬
‫فجعل نا التحمـيـم واجللد مكان الرجم‪ ،‬فقال رسول هللا ﷺ‪" :‬اللهم إين أول من‬
‫{ﮔﮕﮖ‬ ‫أحيا أمرك إذ أماتوه"‪ ،‬فأمر به ُفرجم‪ ،‬فأنزل هللا عز وجل‪:‬‬

‫(‪ )1‬التفسري لعبد الرازق الصنعاين (‪ 15/2‬رقم ‪ ،)411‬تعظيم الصالة (ص ‪ 421‬رقم ‪ ،)444‬السنة للخالل (‪ 104/2‬رقم‬
‫‪.)1424‬‬
‫(‪ )2‬صحيح مسلم (‪ 1124/1‬رقم ‪)1444‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪22‬‬

‫{ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ}‬ ‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} إىل قوله‪:‬‬


‫يقول‪ :‬ائْـتوا حممدا ﷺ ‪ ،‬فإن أمركم ابلتحميـم واجللد فـخذوه‪ ،‬وإن أفتاكم ابلرجم‬
‫{ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ}‬ ‫فاحذروا‪ ،‬فأنزل هللا تعاىل‪:‬‬
‫{ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ} { ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬
‫ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ} يف الكفار كلها‪.‬‬

‫ـجلِز‪" :‬ولكنها أنزلت يف اليهود والنصارى وأهل الشرك"‪ ،‬وقال‬ ‫ِ‬


‫وقال أبو م ْ‬
‫الضحاك‪" :‬نزلت هؤالء اآلايت يف أهل الكـتاب"‪ .‬وقال إبراهيم النخعي‪:‬‬
‫ورضي هلذه األمة هبا"‪ ،‬وقال احلسن‬
‫َ‬ ‫"نزلت هذه اآلايت يف بين إسرائيل‪،‬‬
‫البصري‪" :‬نزلت يف اليهود وهي علينا واجبة"(‪.)1‬‬

‫ورجح هذا القول إمام املفسرين الطربي(‪ )2‬قال رمحه هللا‪" :‬وأوىل األقوال عندي‬
‫ابلصواب قول من قال‪ :‬نزلت هذه اآلايت يف كفار أهل الكتاب‪ ،‬ألن ما قبلها‬
‫وما بعدها من اآلايت فيهم نزلت وهم املعنيون هبا‪ ،‬وهذه اآلايت سياق اخلرب‬
‫عنهم‪ ،‬فكوهنا خربا عنهم أوىل"‪ .‬اهـ‬
‫وكذلك ابن كثري يف تفسريه(‪ )3‬قال رمحه هللا‪" :‬والصحيح أهنا نزلت يف اليهوديـَّ ْ ِ‬
‫ـني‬
‫اللّذي ِن زنيا"‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬أخرجها الطربي يف التفسري (‪ )444/8‬وما بعدها‪.‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪)408/8‬‬
‫(‪ )1‬تفسري القرآن العظيم (‪.)224/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪23‬‬

‫خاصة هبم‪ ،‬فقوله‬


‫‪ .3‬فإن قال قائل ن ــُـ قـ ّر أهنا نزلت يف أهل الكتاب لكنها َّ‬
‫مردود‪ ،‬لقاعدة أن (العربة بعموم اللفظ ال خبصوص السبب)‪ ،‬فيدخل فيها كل‬
‫من فعل فعلهم من املسلمني‪.‬‬

‫وقد روي عن حذيفة رضي هللا عنه إنكار من جيعل هذه اآلايت يف اليهود‬
‫خاصة دون أن يلحق حكمها من فعل فعلهم من أمة النيب ﷺ‪ :‬فعن مهام بن‬
‫{ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ‬ ‫احلارث قال كنا عند حذيفة فذكروا‪:‬‬
‫ﮬ} فقال رجل من القوم‪ :‬إن هذا يف بين إسرائيل فقال حذيفة‪" :‬نعم‬
‫اإلخوة بنو إسرائيل إن كان لكم احللو وهلم الـ ُمـّر‪ ،‬كال والذي نفسي بيده حىت‬
‫ابلسنة حذو ال َق ّذة ابل َق ّذة"‪ .‬أخرجه املروزي يف السنة واحلاكم يف‬
‫السنة ُّ‬
‫حتذوا ُّ‬
‫املستدرك(‪ )1‬بسند صحيح‪.‬‬

‫ومما يدل على هذه القاعدة أيضا ما جاء يف حديث عبد هللا بن مسعود رضي‬
‫هللا عنه‪ :‬أن رجال أصاب من امرأة قبلة‪ ،‬فأتى رسول هللا ﷺ فذكر ذلك له‪،‬‬
‫فأُن ِزلت عليه‪{ :‬ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ‬
‫أيل هذه؟ قال‪" :‬ملن عمل هبا من أميت"‪.‬‬ ‫الرجل‪:‬‬ ‫قال‬ ‫ﯗ ﯘ ﯙ } ( ‪. )2‬‬
‫َ‬
‫( ‪)3‬‬
‫متفق عليه‬

‫(‪ )1‬السنة للمروزي (ص ‪ 24‬رقم ‪ ،)04‬واملستدرك على الصحيحني (‪ 104/4‬رقم ‪.)1204‬‬


‫(‪ )2‬سورة هود‪.114:‬‬
‫(‪ )1‬البخاري (‪ 241/1‬رقم ‪ )4084‬مسلم (‪ 2114/4‬رقم ‪)2401‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪24‬‬

‫وما جاء عن عب د هللا بن معقل قال‪ :‬قعدت إىل كعب بن عجرة رضي هللا عنه‬
‫{ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ } ( ‪. )1‬‬ ‫وهو يف املسجد‪ ،‬فسألته عن هذه اآلية‪:‬‬
‫ـح ِملت إىل‬ ‫ِ‬
‫فقال كعب رضي هللا عنه‪ :‬نزلت ف َّـي‪ ،‬كان يب أ ًذى من رأسي‪ ،‬ف ُ‬
‫ـج ْهد بلغ‬
‫رسول هللا ﷺ والقمل يتناثر على وجهي‪ ،‬فقال‪ :‬ما كنت أرى أن ال َ‬
‫ال‪ ،‬فنزلت هذه اآلية‪ { :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ‬ ‫منك ما أرى أجتد شاة؟ فقلت‪:‬‬
‫ﯴ ﯵ} ‪ ،‬قال‪" :‬صوم ثالثة أايم‪ ،‬أو إطعام ستة مساكني نصف صاع‪ ،‬طعاما‬
‫لكل مسكني"‪ ،‬قال‪ :‬فنزلت فـِ َّي خاصة‪ ،‬وهي لكم عامة‪.‬‬

‫وذكر شيخ اإلسالم ابن تيمية أن هذا مما ال نزاع فيه بني العلماء فقال رمحه‬
‫هللا(‪" :)2‬ال نزاع بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب ال ختتص أبسباهبا‪،‬‬
‫كاآلايت النازلة بسبب معني‪ :‬مثل آايت املواريث واجلهاد والظهار واللعان‬
‫والقذف واحملاربة والقضاء والفيء والراب والصدقات؛ وغري ذلك‪ ،‬فعامتها نزلت‬
‫على أسباب معينة مشهورة يف كتب احلديث والتفسري والفقه واملغازي‪ ،‬مع‬
‫اتفاق األمة على أن حكمها عام يف حق غري أولئك املعيَّـنني‪ ،‬وغري ذلك مما‬
‫يـُماثل قضاايهم من كل وجه"‪ .‬اهـ‬

‫وعليه فالقول أبن هذه اآلايت نزلت يف الكفار خاصة فال يلحق هبم من فعل‬
‫مثلهم من أهل اإلسالم قول مردود‪ ،‬ألن احلكم يدور مع علته ومناطه‪ ،‬فمىت‬
‫وجد املناط وجد احلكم‪ ،‬وهذا يف اللفظ العام أوىل‪ ،‬ألن العام ُكلِّـ ــيّةٌ يدخل‬
‫حتتها جزئيات كثرية‪ ،‬فكل جزئي انطبق عليه املناط املذكور يف العام يدخل‬

‫(‪ )1‬سورة البقرة‪.150:‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الفتاوى (‪)25-28/11‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪25‬‬

‫فيه‪ ،‬فهي داخلة فيه من جهة عموم اللفظ واحلكم ال من جهة القياس‪ ،‬وهذا‬
‫أقوى من حيث احلكم‪.‬‬

‫قال الشيخ عبد الرمحن بن حسن رمحه هللا(‪" :)1‬فإن قيل‪ :‬ما ذكرمت خاص‬
‫ابلكفار‪ ،‬كيف جتعلوننا مثل الكفار؟ أم كيف تُن ِزلون اآلايت النازلة فيمن‬
‫حارب الرسول ﷺ وصار مع الكفار أعداء الرسول ﷺ علينا؟ قيل له‪ :‬معلوم‬
‫أن القرآن نزل أبسباب‪ ،‬فإن كان ال يستدل به إال يف تلك األسباب‪ ،‬بطل‬
‫االستدالل ابلقرآن‪ ،‬وهذا خروج من الدين‪.‬‬

‫وأيضاً‪ ،‬فما زال العلماء من عصر الصحابة ومن بعدهم‪ ،‬يستدلون ابآلايت‬
‫اليت نزلت يف اليهود‪ ،‬ويف غريهم‪ ،‬على من يعمل هبا‪.‬‬

‫من قال منهم‪ :‬إن اآلية إذا نزلت يف رجل كافر‪ ،‬أهنا ال تعم من عمل هبا من‬
‫املسلمني؟!‬

‫ـجاج والباطل‪ ،‬يدفعون يف نـحر‬ ‫لكن هذا شأن اجلاهلني الظاملني‪ ،‬أهل اللَّ َ‬
‫النصوص عما دلت عليه‪ ،‬بنح ٍو من هذه األابطيل‪ ،‬اليت يعرف املسلم بطالهنا‬
‫بـمجرد فطرته‪ ،‬فاهلل املستعان"‪ .‬اهـ‬

‫‪ .4‬على فرض صـحة إسناد قول ابن عباس رضي هللا عنهما‪ ،‬فإنه من ابب‬
‫االستدالل مبا نزل يف الكفر األكرب على الكفر األصغر وهي الصورة غري‬
‫املك ّفرة‪ ،‬وهذه قاعدة معلومة عند السلف‪ ،‬حيث يستشهدون ابآلية حبسب‬

‫(‪ )1‬الدرر السنية (‪)254/8‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪26‬‬

‫ما يقتضيه املقام واحلال‪ ،‬وال يكون قصدهم أن هذا ختصيص حلكمها العام‪،‬‬
‫وقد أوضح الشاطيب رمحه هللا عمل السلف يف هذا بقوله(‪:)1‬‬

‫إمنا حيملونه على ما يشمله املوضع حبسب احلاجة احلاضرة ال حبسب ما يقتضيه‬
‫اللفظ لغة‪ ،‬وهكذا ينبغي أن تُـفهم أقوال املفسرين املتقدمني‪ ،‬وهو األوىل‬
‫ملناصبهم يف العلم‪ ،‬ومراتبهم يف فهم الكتاب والسنة‪ .‬اهـ‬

‫وعليه فال يدل تفسريه هلا يف موضع ابلكفر األصغر‪ ،‬أهنا خاصة به فقط‬
‫وال تتناول األكرب‪ ،‬فهذا ختصيص بغري خمصص‪ ،‬مع أن ابن عباس رضي هللا‬
‫عنهما مل يدع التخصيص يف كالمه‪.‬‬

‫‪ .5‬أن من فسرها بكفر دون كفر من السلف‪ ،‬إمنا قاله يف مقابلة قول اخلوارج‬
‫الذين ّنزلوا هذه اآلية يف غري حملها فك ّفروا به من ظلم وجار يف احلكم ومل يب ّدل‬
‫حكم هللا أو حيكم بغري شرعه‪ ،‬كما يف قصة أيب جملز اليت أخرجها الطربي يف‬
‫تفسريه(‪:)2‬‬

‫انس من بين عمرو بن َس ُدوس‬ ‫ِ‬


‫من طريق عمران بن حدير قال‪ :‬أتى أاب مـ ْجلز ٌ‬
‫جلز‪ ،‬أرأيت قول هللا‪ { :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ‬ ‫فقالوا‪ :‬اي أاب مـِ ْ‬
‫{ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ‬ ‫ﮬ} أحق هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫{ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ‬ ‫ﯮ ﯯ} أحق هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫ﭼ ﭽ} أحق هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال فقالوا‪ :‬اي أاب مـِ ْجلز‪ ،‬فيحكم هؤالء‬

‫(‪ )1‬االعتصام (‪)144/1‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪)448/8‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪27‬‬

‫يدينون به‪ ،‬وبه يقولون‪ ،‬وإليه يدعون‪ ،‬فإن‬ ‫مبا أنزل هللا؟ قال‪" :‬هو دينهم الذي ِ‬
‫هم تركوا شيئًا منه عرفوا أهنم قد أصابوا ذنبًا" فقالوا‪ :‬ال وهللا‪ ،‬ولكنك تَـ ْف َر ُق(‪،!)1‬‬
‫حتر ُجون‪ ،‬ولكنها‬ ‫قال‪ :‬أنتم أوىل هبذا مين ال أرى‪ ،‬وإنكم أنتم ترون هذا وال َّ‬
‫حنوا من هذا‪ .‬اهـ‬
‫أنزلت يف اليهود والنصارى وأهل الشرك‪ ،‬أو ً‬
‫ويف رواية أن من جاءه من اإلابضية أخرجها الطربي عقب هذه‪.‬‬

‫وأما من أنزل حكم اآلية يف حملها ومناطها ويف صورة كصورة السبب الذي‬
‫نزلت فيه فال ينكر عليه بل هو األوىل ألن كل ما وافق عني سبب النزول فهو‬
‫داخل يف احلكم العام دخوال أوليا‪.‬‬

‫فالقوانني الوضعية فيها تبديل حلكم هللا واحلكم به‪ ،‬وهذا عني فعل اليهود الذين‬
‫ب ّدلوا حكم هللا وحكموا به‪ ،‬فاآلية إذا تتناول الصنفني‪:‬‬

‫‪ ‬من ّ‬
‫شرع غري شرع هللا‪.‬‬
‫‪ ‬ومن حكم هبذا الشرع املبدل ولو مل يُ ِّ‬
‫شرعه هو‪.‬‬

‫قال الشيخ حممود شاك ر رمحه هللا يف تعليقه عليه يف حاشية تفسري الطربي(‪:)2‬‬

‫"إن أهل الريب والفنت ممن تصدروا للكالم يف زماننا هذا‪ ،‬قد تـل َّـمس املعذرة‬
‫ألهل السلطان يف ترك احلكم مبا أنزل هللا‪ ،‬ويف القضاء يف الدماء واألعراض‬
‫واألموال بغري شريعة هللا اليت أنزهلا يف كتابه‪ ،‬ويف اختاذهم قانون أهل الكفر‬

‫(‪ )1‬أي ختشى من األم ارء‪ ،‬وقالوا هذا ألنه مل يكفرهم فظنوا أن احلامل على ترك تكفريهم هو اخلوف منهم‪.‬‬
‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪ )148/14‬طبعة مؤسسة الرسالة‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪28‬‬

‫شريعة يف بالد اإلسالم‪ .‬فلما وقف على هذين اخلربين‪ ،‬اختذمها ر ًأاي يرى به‬
‫صواب القضاء يف األموال واألعراض والدماء بغري ما أنزل هللا‪ ،‬وأن خمالفة‬
‫شريعة هللا يف القضاء العام ال تكفر الراضي هبا‪ ،‬والعامل عليها‪.‬‬

‫والناظر يف هذين اخلربين ال حميص له عن معرفة السائل واملسئول‪ ،‬فأبو‬


‫ـجلز "الحق بن محيد الشيباين السدوسي" اتبعي ثقة‪ ،‬وكان حيب عليا رضي‬ ‫ِ‬
‫مْ‬
‫علي رضي هللا عنه‬ ‫شيعة‬ ‫من‬ ‫شيبان‪،‬‬ ‫بنو‬ ‫وهم‬ ‫لز‪،‬‬ ‫ـج‬ ‫هللا عنه‪ .‬وكان قوم أيب ِ‬
‫م‬
‫ّ‬ ‫ْ‬
‫يوم اجلمل وصفني‪ ،‬فلما كان أمر احلكمني يوم صفني‪ ،‬واعتزلت اخلوارج‪ ،‬كان‬
‫فيمن خرج على علي رضي هللا عنه‪ ،‬طائفة من بين شيبان‪ ،‬ومن بين سدوس بن‬
‫ـجلز‪ ،‬انس من بين عمرو بن سدوس‪،‬‬ ‫ِ‬
‫شيبان بن ذهل‪ .‬وهؤالء الذين سألوا أاب م ْ‬
‫وهم نفر من اإلابضية‪ ،‬واإلابضية من مجاعة اخلوارج احلرورية‪ ،‬هم أصحاب‬
‫عبد هللا بن إابض التيمي‪ ،‬وهم يقولون مبقالة سائر اخلوارج يف التحكيم‪ ،‬ويف‬
‫علي رضي هللا عنه إذ ح ّكم احلكمني‪ ،‬وأن عليًا مل حيكم مبا أنزل هللا‪،‬‬ ‫تكفري ّ‬
‫يف أمر التحكيم‪.‬‬
‫ِ‬
‫ـجلز من اإلابضية‪ ،‬إمنا كانوا يريدون أن يلزموه‬‫ومن البيِّـن أن الذين سألوا أاب م ْ‬
‫احلجة يف تكفري األمراء‪ ،‬ألهنم يف معسكر السلطان‪ ،‬وألهنم رمبا عصوا‬
‫أو ارتكبوا بعض ما هناهم هللا عن ارتكابه‪ .‬ولذلك قال هلم يف اخلرب األول‪" :‬فإن‬
‫هم تركوا شيئًا منه عرفوا أهنم قد أصابوا ذنبًا"‪ ،‬وقال هلم يف اخلرب الثاين‪" :‬إهنم‬
‫يعملون مبا يعملون ويعلمون أنه ذنب"‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪29‬‬

‫وإذن‪ ،‬فلم يكن سؤاهلم عما احتج به مبتدعة زماننا‪ ،‬من القضاء يف األموال‬
‫واألعراض والدماء بقانون خمالف لشريعة أهل اإلسالم‪ ،‬وال يف إصدار قانون‬
‫ملزم ألهل اإلسالم‪ ،‬ابالحتكام إىل حكم غري حكم هللا يف كتابه وعلى لسان‬
‫نبيه ﷺ ‪ ،‬فهذا الفعل إعراض عن حكم هللا‪ ،‬ورغبة عن دينه‪ ،‬وإيثار ألحكام‬
‫أهل الكفر على حكم هللا سبحانه وتعاىل‪ ،‬وهذا كفر ال يشك أحد من أهل‬
‫القبلة على اختالفهم يف تكفري القائل به والداعي إليه‪.‬‬

‫والذي حنن فيه اليوم‪ ،‬هو هجر ألحكام هللا عامة بال استثناء‪ ،‬وإيثار أحكام‬
‫غري حكمه يف كتابه وسنة نبيه‪ ،‬وتعطيل لكل ما يف شريعة هللا‪ ،‬بل بلغ األمر‬
‫مبلغ االحتجاج على تفضيل أحكام القانون املوضوع‪ ،‬على أحكام هللا الـ ُمـن ّـزلة‪،‬‬
‫وادعاء احملتجني لذلك أبن أحكام الشريعة إمنا نزلت لزمان غري زماننا‪ ،‬ولعلل‬
‫وأسباب انقضت‪ ،‬فسقطت األحكام كلها ابنقضائها‪ ،‬فأين هذا مما ب ـيَّـنَّاه من‬
‫حديث أيب مـِجلز‪ ،‬والنفر من اإلابضية من بين عمرو بن سدوس!!‬

‫ولو كان األمر على ما ظنوا يف خرب أيب جملز‪ ،‬أهنم أرادوا خمالفة السلطان يف‬
‫حاكم‬
‫ٌ‬ ‫سن‬
‫حكم من أحكام الشريعة‪ ،‬فإنه مل حيدث يف اتريخ اإلسالم أن َّ‬
‫حكـما وجعله شريعة ُمل ِزمة للقضاء هبا‪ .‬هذه واحدة‪ .‬وأخرى‪ ،‬أن احلاكم الذي‬
‫حكم يف قضية بعينها بغري حكم هللا فيها‪ ،‬فإنه إما أن يكون حكم هبا وهو‬
‫جاهل‪ ،‬فهذا أمره أمر اجلاهل ابلشريعة‪ ،‬وإما أن يكون حكم هبا هوى ومعصية‪،‬‬
‫حكما‬
‫فهذا ذنب تَـنَ َاولُه التوبة‪ ،‬وتلحقه املغفرة‪ ،‬وإما أن يكون حكم به متأوال ً‬
‫خالف به سائر العلماء‪ ،‬فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد أتويله من اإلقرار‬
‫بنص الكتاب‪ ،‬وسنة رسول هللا‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪31‬‬

‫وأما أن يكون كان يف زمن أيب جملز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء يف‬
‫مؤثرا ألحكام أهل الكفر على‬ ‫جاحدا حلكم من أحكام الشريعة‪ ،‬أو ً‬ ‫ً‬ ‫أمر‪،‬‬
‫أحكام أهل اإلسالم‪ ،‬فذلك مل يكن قط‪ .‬فال ميكن صرف كالم أيب جملز‬
‫واإلابضيني إليه‪ ،‬فمن احتج هبذين األثرين وغريمها يف غري ابهبا‪ ،‬وصرفها إىل‬
‫غري معناها‪ ،‬رغبة يف نصرة سلطان‪ ،‬أو احتياال على تسويغ احلكم بغري ما أنزل‬
‫هللا وفرض على عباده‪ ،‬فحكمه يف الشريعة حكم اجلاحد حلكم من أحكام‬
‫هللا‪ :‬أن يستتاب‪ ،‬فإن أصر وكابر وجحد حكم هللا‪ ،‬ورضى بتبديل األحكام‬
‫فحكم الكافر املصر على كفره معروف ألهل هذا الدين"‪ .‬اهـ خمتصرا‬

‫وق ال العالمة أمحد شاكر رمحه هللا يف حاشية عمدة التفسري(‪" :)1‬وهذه اآلاثر‬
‫عن ابن عباس وغريه مما يلعب به املضللون يف عصران هذا‪ ،‬من املنتسبني للعلم‪،‬‬
‫ـج َّـرآء على الدين‪ :‬جيعلوهنا عذراً أو إابحة للقوانني الوثنية‬
‫ومن غريهم من ال ُ‬
‫املوضوعة اليت ضربت على بالد اإلسالم‪.‬‬

‫وهناك أثر عن أيب جملز يف جدال اإلابضية اخلوارج إايه‪ ،‬فيما كان يصنع بعض‬
‫األمراء من اجلور‪ ،‬فيحكمون يف بعض قضائهم مبا خيالف الشريعة‪ ،‬عمداً إىل‬
‫اهلوى‪ ،‬أو جهالً ابحلكم‪ ،‬واخلوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبرية كافر‪ ،‬فهم‬
‫جيادلون يريدون من أيب جملز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤالء األمراء‪،‬‬
‫ليكون ذلك عذراً هلم فيما يرون من اخلروج عليهم ابلسيف‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬عمدة التفسري (‪)084/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪31‬‬

‫‪ .6‬أن قول ابن عباس رضي هللا عنهما لو صح فهو حممول على امللتزم حلكم‬
‫هللا مث خالف يف قضية ما أبن ينفي شرطا اثبتا أو يثبت مانعا غري موجود يف‬
‫ـجلز يف‬ ‫ِ‬
‫حكم من األحكام دون تبديل ألصل حكم هللا فيها‪ ،‬وهلذا قال أبو م ْ‬
‫األثر السابق‪" :‬هو دينهم الذي يدينون به‪ ،‬وبه يقولون‪ ،‬وإليه يدعون‪ ،‬فإن هم‬
‫تركوا شيئًا منه عرفوا أهنم قد أصابوا ذنبًا"‪.‬‬

‫ٍ‬
‫كقاض أيتيه سارق ثبتت فيه شروط إقامة احلد‪ ،‬فيلغي إحداها لئال يقام‬ ‫وهذا‬
‫عليه احلد‪ ،‬أبن يثبت أنه مل يسرق من حرز أو أن املال مل يبلغ النصاب وحنو‬
‫يغري أصل حكم السرقة وهو القطع‪ ،‬فيكون منع إقامة احلد عليه‬ ‫هذا‪ ،‬دون أن ّ‬
‫لفقدان شرط أو وجود مانع‪ ،‬وهذا ليس تبديال للحكم‪ ،‬بل هو ظلم ومعصية‬
‫اتبع فيها القاضي هواه ألمر ما وهو يعلم هذا‪.‬‬

‫أما إن قال له ثبت يف حقك كل الشروط اليت توجب احلد وحكمك هو‬
‫السجن أو دفع مال غرامة‪ ،‬فإن هذا من تبديل حكم هللا وليس من ابب كفر‬
‫دون كفر‪ ،‬ألنه ب ّدل أصل احلكم املقطوع به‪ ،‬وحكم القطع يف السرقة من‬
‫حيل تبديله‪.‬‬
‫الشرع املنزل الذي ال ّ‬
‫الس ِّدي رمحه هللا يف تفسريها‪" :‬من مل حيكم مبا أنزلت فرتكه عمدا‬
‫كما قال ُّ‬
‫وجار وهو يعلم فهو من الكافرين"‪ .‬أخرجه ابن أيب حامت والطربي يف‬
‫( ‪)1‬‬
‫تفسرييْ ِهما‬
‫َ‬

‫(‪ )1‬تفسري ابن أيب حامت (‪ ،)1142/4‬تفسري الطربي (‪)404/8‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪32‬‬

‫أما شروط إقامة احلد فبعضها من الشرع املؤول الذي وقع فيه اخلالف‪ ،‬وقد‬
‫أيخذ القاضي أبضعف األقوال هلوى أو لقرابة وحنوه فيحكم به‪.‬‬

‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪" :)1‬لفظ الشرع يقال يف عرف الناس‬
‫على ثالثة معان‪:‬‬

‫الشرع املنزل‪ :‬وهو ما جاء به الرسول وهذا جيب اتباعه ومن خالفه وجبت‬
‫عقوبته‪.‬‬

‫والثاين‪ :‬الشرع املؤول‪ :‬وهو آراء العلماء اجملتهدين فيها كمذهب مالك وحنوه‪،‬‬
‫ـحرم‪ ،‬وليس ألحد أن يلزم عموم الناس به‬
‫فهذا يسوغ اتباعه وال جيب وال يُ َ‬
‫وال مينع عموم الناس منه‪.‬‬

‫والثالث‪ :‬الشرع املبدل‪ :‬وهو الكذب على هللا ورسوله ﷺ أو على الناس‬
‫بشهادات الزور وحنوها والظلم البني فمن قال إن هذا من شرع هللا فقد كفر‬
‫بال نزاع‪ .‬اهـ‬

‫فمن ب ّدل الشرع املنزل ولو حكما واحدا فقد كفر ألنه مما أمجع عليه‪ ،‬وهلذا‬
‫قال شيخ اإلسال م قبل هذا التقسيم‪ :‬واإلنسان مىت حلل احلرام اجملمع عليه‬
‫أو حرم احلالل اجملمع عليه أو بدل الشرع اجملمع عليه كان كافرا مرتدا ابتفاق‬
‫الفقهاء‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)258/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪33‬‬

‫املؤول اتباعا للهوى فهو ٍ‬


‫عاص‪ ،‬وإن كانت خمالفته الجتهاد‬ ‫ومن خالف الشرع ّ‬
‫فهو مأجور حلديث عمرو بن العاص رضي هللا عنه عن النيب ﷺ قال‪" :‬إذا‬
‫حكم احلاكم فاجتهد مث أصاب فله أجران‪ ،‬وإذا حكم فاجتهد مث أخطأ فله‬
‫أجر" متفق عليه(‪ ،)1‬واالجتهاد ال يكون يف اجملمع عليه بل يف املختلف فيه‪.‬‬

‫(‪ )1‬البخاري (‪ 142/4‬رقم ‪ )4142‬مسلم (‪ 1142/1‬رقم ‪.)1410‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪34‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثانية‪:‬‬
‫قوهلم أ هن احلاكم بغري ما أنزل هللا ال يكفر إال ابالستحالل له أو جحد‬
‫حكم هللا‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫املستحل للحرام اجملمع عليه‬
‫ّ‬ ‫‪ .1‬أ ّن االستحالل كفر بذاته ولو مل يعمل‪ ،‬فإن‬
‫الذي دون الكفر يكفر‪ ،‬فمن ابب أوىل فيما حكم الشرع على فاعله ابلكفر‪،‬‬
‫كاحلكم بغري ما أنزل هللا ‪ ،‬وهي ثالث صور بعضها أشد من بعض‪:‬‬
‫‪ ‬أن يستحل احلكم بغري ما أنزل هللا وال يفعله فهذا كفر‪.‬‬
‫‪ ‬أن يستحل احلكم بغري ما أنزل هللا وحيكم مبا أنزل هللا فهذا كفر‪ ،‬فحكمه‬
‫مبا أنزل هللا ال ينفعه مع جحده له‪.‬‬
‫‪ ‬أن يستحل احلكم بغري ما أنزل هللا وحيكم بغري ما أنزل هللا فهذا كفر أشد‪،‬‬
‫ألنه فعل انقضني مستقلني‪.‬‬
‫فعلم هبذا أن تعليق احلكم ابالستحالل خارج عن املسألة ألنه كفر سواء فعل‬
‫أم ال‪ ،‬ومسألتنا فيمن حكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬وال يصح تعليق األحكام على‬
‫مناطات خارجة عنها‪ ،‬توجد هبا أو بدوهنا‪ ،‬ألن احلكم يدور مع علته‪ ،‬فإن‬
‫وجدت العلة دون احلكم أو الفعل علم أهنا ليست علة له‪ ،‬كما تبني يف الصور‬
‫السابقة‪ ،‬حيث وجد االستحالل دون وجود الفعل‪ ،‬فلو كان االستحالل علة‬
‫له لَلزم أن يوجد احلكم بغري ما أنزل هللا كلما وجد‪ ،‬وهذا غري حاصل وبه نعلم‬
‫بطالن القول أ ّن مناط الكفر هو االستحالل‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪35‬‬

‫‪ .2‬أن اآلايت يف ابب احلكم مبا أنزل هللا أانطت احلكم على أفعال اجلوارح‬
‫فج ْعل مناط الكفر فيها هو االستحالل ُّ‬
‫حتكم يف معناها‬ ‫ال أعمال القلوب‪ُ َ ،‬‬
‫بغري دليل‪ ،‬وصرف هلا عن ظاهرها‪.‬‬
‫احلكم‬
‫ُ‬ ‫‪.‬‬ ‫( ‪)1‬‬
‫ففي قوله تعاىل‪{ :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ}‬
‫املنفي يف مجلة فعل‬ ‫يف مجلة جواب الشرط (هم الْ َكافِ‬
‫فعل َّ‬
‫َ‬ ‫من‬ ‫على‬ ‫اقع‬
‫ٌ‬ ‫و‬ ‫)‬ ‫ن‬
‫َ‬ ‫و‬‫ر‬
‫ُ‬ ‫ُُ‬
‫(وَم ْن َملْ َْحي ُك ْم ِمبَا أَنْـ َزَل َّ‬
‫اَّللُ) أي ومن حكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬فاحلكم‬ ‫الشرط َ‬
‫ابلكفر متوجه له‪ ،‬وهذا حكم على فعل ظاهر ال اعتقاد ابطن‪ ،‬فتقييدها‬
‫وحتكم يف معىن اآلية وصرف‬‫ابالستحالل أو اجلحود‪ ،‬ختصيص للعام بال دليل ُّ‬
‫هلا عن الظاهر‪.‬‬
‫فإهنا عامة تشمل ثالثة ال خيص منهم أحد دون اآلخر‪:‬‬
‫‪ ‬املستحل للحكم بغري ما أنزل هللا بقياس األوىل‪.‬‬
‫‪ ‬واجلاحد حلكم هللا بقياس األوىل‪.‬‬
‫‪ ‬واحلاكم بغري ما أنزل هللا بنص اآلية‪.‬‬
‫أتول اآلية على ترك احلكم مبا أنزل هللا‬
‫قال ابن القيم رمحه هللا ‪" :‬ومنهم من ّ‬
‫( ‪)2‬‬

‫جاحدا له‪ ،‬وهو قول عكرمة‪ ،‬وهو أتويل مرجوح‪ ،‬فإن نفس جحوده كفر‪،‬‬
‫سواء حكم أو مل حيكم"‪ .‬اهـ‬
‫ومما يؤكد أن اآلية نصت على الفعل الظاهر‪ ،‬أن سبب نزوهلا هو ما حصل‬
‫من اليهود‪ ،‬وهو الرتك واإلعراض والتويل عن حكم هللا مث تبديله حبكم من‬
‫عندهم‪ ،‬وهذا من أعمال اجلوارح ال من أعمال القلوب‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬مدارج السالكني (‪.)541/2‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪36‬‬

‫{ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ‬ ‫ويف قوله تعاىل‪:‬‬


‫ﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ}(‪.)1‬‬
‫ففيها نفي اإلميان عن اليه ود بسبب توليهم عن حكم هللا تعاىل وتبديلهم له‪،‬‬
‫والتويل هنا عمل ظاهر‪.‬‬
‫قال ابن جرير الطربي رمحه هللا(‪" :)2‬يعين تعاىل ذكره‪ ،‬وكيف حيكمك هؤالء‬
‫حكما بينهم‪" ،‬وعندهم التوراة" اليت‬
‫اليهود‪ ،‬اي حممد ﷺ‪ ،‬بينهم‪ ،‬فريضون بك ً‬
‫يقرون هبا أهنا حق‪ ،‬وأهنا كتايب الذي أنزلته إىل نبيّي‪،‬‬
‫أنزلتها على موسى‪ ،‬اليت ُّ‬
‫وأن ما فيه من حك ٍم فمن حكمي‪ ،‬يعلمون ذلك ال يتناكرونه‪ ،‬وال يتدافعونه‪،‬‬
‫ويعلمون أن حكمي فيها على الزاين احملصن الرجم‪.‬‬
‫وهم مع عملهم بذلك "يتولَّون"‪ ،‬يقول‪ :‬يرتكون احلكم به‪ ،‬بعد العلم حبكمي‬
‫خمربا عن حال هؤالء اليهود‬‫وعصياان يل‪ ،‬مث قال تعاىل ذكره ً‬
‫ً‬ ‫علي‬
‫فيه‪ ،‬جراءة ّ‬
‫الذين وصف صفتهم يف هذه اآلية عنده‪ ،‬وحال نظرائهم من اجلائرين عن‬
‫حمجة احلق "وما أولئك ابملؤمنني"‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫حكمه‪ ،‬الزائلني عن ّ‬
‫توىل عن حكم هللا‪ ،‬الذي حكم به يف كتابه‬ ‫ليس من فعل هذا الفعل أي‪ :‬من ّ‬
‫ونبوة‬
‫فأقر بتوحيده ّ‬ ‫الذي أنزله على نبيه‪ ،‬يف خلقه ابلذي صدَّق هللا ورسوله ّ‬
‫نبيه ﷺ‪ ،‬ألن ذلك ليس من فِعل أهل اإلميان‪ .‬اهـ خمتصرا‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.41:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪.)444/8‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪37‬‬

‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬ ‫ويف قوله تعاىل‪:‬‬


‫ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ‬
‫ﭬ ﭭ ﭮ}(‪.)1‬‬
‫فقد جعل سبحانه إميان من أراد التحاكم للطاغوت جمرد زعم ال حقيقة له‪،‬‬
‫وجب للتحاكم له فلما أراد التحاكم لغريه‬ ‫ألنه خالف مقتضى اإلميان ابهلل الـمـ ِ‬
‫ُ‬
‫مل يكن مؤمنا ابهلل بل مؤمنا ابلطاغوت‪ ،‬وهذا فيمن أراد التحاكم للطاغوت‬
‫وعزم على ذلك‪ ،‬فأوىل من حتاكم للطاغوت فعال أن ينفى عنه اإلميان‪ ،‬فهذا‬
‫فيه أيضا إانطة للحكم بعمل اجلوارح ال أعمال القلوب‪ ،‬وهلذا قال ابن كثري‬
‫ذامة ملن عدل عن الكتاب والسنة‪ ،‬وحتاكموا إىل ما سوامها من‬ ‫رمحه هللا ‪ :‬إهنا ّ‬
‫( ‪)2‬‬

‫الباطل‪ ،‬وهو املراد ابلطاغوت هاهنا‪ .‬اهـ‬


‫‪ .3‬أن اشرتاط اعتقاد القلب من استحالل أو جحود فيما حكم عليه الشرع‬
‫أنه من أعمال اجلوارح املك ِّف رة هو مذهب املرجئة القائلني أبن أعمال اجلوارح‬
‫ليست ركنا يف اإلميان‪ ،‬فمذهبهم أن ترك مجيع أعمال اجلوارح أو ارتكاب عمل‬
‫ظاهر من نواقض اإلميان ال يكون كفرا إال إذا صاحبه اعتقاد القلب‪ ،‬فكونه‬
‫ُك ْفراً ألجل االعتقاد ال ألن العمل الظاهر كذلك‪ ،‬فال أتثري عندهم للعمل‬
‫الظاهر على أصل اإلميان مبجرده‪ ،‬وهلذا جعلوا احلكم بغري ما أنزل هللا معصيةً‬
‫غري مك ّفرة حىت يستحلّها أو جيحد حكم هللا‪ ،‬وهذا فيه تسوية بني املعاصي‬ ‫َ‬
‫اليت ال خترج من امللة وبني املعاصي اليت حكم الشرع عليها أهنا خترج من امللة‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري ابنكثري (‪)118/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪38‬‬

‫لكوهنا تناقض أصل اإلميان‪ ،‬وهلذا جيعلون الكفر العملي قسما واحد فقط‬
‫كله كفر أصغر‪.‬‬
‫أما أهل السنة واجلماعة فيعتقدون أن العمل ركن يف اإلميان‪ ،‬وأن نواقض اإلميان‬
‫منها اعتقادي ومنها عملي ومنها قويل‪.‬‬
‫وأن الكفر العملي قسمان‪:‬‬
‫‪ ‬قسم يناقض اإلميان وخيرج صاحبه من امللة مبجرد فعله وال يشرتط فيه اعتقاد‬
‫القلب كالشرك العملي‪.‬‬
‫‪ ‬وقسم ال يناقض اإلميان وهو مبنزلة سائر املعاصي اليت ال يك ّفر إال من‬
‫استحلها‪ ،‬كالكبائر اليت وصفت يف الشرع ابلكفر وقُصد هبا الكفر األصغر‪.‬‬
‫ومن األدلة على ما ع ّده الشرع كفرا من األعمال الظاهرة دون اشرتاط االعتقاد‬
‫قوله تعاىل‪{ :‬ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ }( ‪.)1‬‬
‫فاالستهزاء ابهلل ورسوله ﷺ عمل ظاهر حكم هللا به عليهم مبجرد فعلهم له‪،‬‬
‫وملا اعتذروا أهنم مل يقصدوه والقصد عمل قلب‪ ،‬رد هللا سبحانه عليهم اعتذارهم‬
‫أبنه غري انفع لكونكم كفرمت بعملكم الظاهر‪ ،‬وهذا نص صريح على عدم‬
‫اعتبار عمل القلب يف احلكم على الظاهر‪ ،‬وإن كان العمل الظاهر ال يصدر‬
‫الزم له‪ ،‬وال يعين هذا أن مناط احلكم على الظاهر ال‬
‫إال منه يف األصل ألنه ٌ‬
‫يعلّق مبعرفة الباطن‪ ،‬ففي هذه اآلية يقال املستهزئ ابهلل ورسوله ﷺ حكم عليه‬

‫(‪ )1‬سورة التوبة‪.00-04:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪39‬‬

‫مبا صدر منه وإن مل يعتقد‪ ،‬مع أن هذا القول ال ميكن أن يصدر ممن معه إميان‬
‫يف قلبه ‪ ،‬وهذه مسألة تالزم الظاهر والباطن عند أهل السنة واجلماعة‪.‬‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ " :)1‬فقد أخرب أهنم كفروا بعد إمياهنم مع‬
‫قوهلم إان تكلمنا ابلكفر من غري اعتقاد له‪ ،‬بل كنا خنوض ونلعب‪ ،‬وبني أن‬
‫االستهزاء آبايت هللا كفر‪ ،‬وال يكون هذا إال ممن شرح صدره هبذا الكالم‪ ،‬ولو‬
‫كان اإلميان يف قلبه منعه أن يتكلم هبذا الكالم"‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪" :)2‬فدل على أهنم مل يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً‪ ،‬بل ظنوا أن‬
‫ذلك ليس بكفر‪ ،‬فبني أن االستهزاء ابهلل وآايته ورسوله كفر يكفر به صاحبه‬
‫بعد إميانه‪ ،‬فدل على أنه كان عندهم إميان ضعيف‪ ،‬ففعلوا هذا احملرم الذي‬
‫عرفوا أنه حمرم‪ ،‬ولكن مل يظنوه كفراً‪ ،‬وكان كفراً كفروا به‪ ،‬فإهنم مل يعتقدوا‬
‫جوازه"‪ .‬اهـ‬
‫سب هللا تعاىل أو انتقاص دينه سبحانه أو سب‬ ‫ومن األدلة كذلك اإلمجاع أن ّ‬
‫النيب ﷺ ُّ‬
‫يعد كفرا ولو مل يعتقد‪.‬‬
‫كفر‬
‫سب هللا أو سب رسوله ٌ‬ ‫إن َّ‬‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪َّ " :)3‬‬
‫الساب يعتقد أن ذلك حمرم أو كان مستحال له أو‬ ‫ُّ‬ ‫ظاهرا وابطنا وسواء كان‬
‫كان ذاهال عن اعتقاده‪ ،‬هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلني أبن‬
‫اإلميان قول وعمل"‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)224/4‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الفتاوى (‪.)241/4‬‬
‫(‪ )1‬الصارم املسلول (‪.)544/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪41‬‬

‫السب كفراً ألجل االستحالل‬


‫رد على القاضي أيب يعلى رمحه هللا ملا جعل ّ‬ ‫وقد ّ‬
‫ال لكونه كفر يف نفسه‪ ،‬فقال رمحه هللا(‪:)1‬‬
‫وهذا موضع ال بد من حتريره وجيب أن يُعلم أن القول أبن كفر الساب يف‬
‫السب زلة منكرة وهفوة عظيمة‪ ،‬ويرحم هللا‬ ‫َّ‬ ‫نفس األمر إمنا هو الستحالله‬
‫القاضي أاب يعلي قد ذكر يف غري موضع ما يناقض ما قاله هنا‪ ،‬وإمنا وقع من‬
‫تلق وه من كالم طائفة من متأخري املتكلمني‪ ،‬وهم‬ ‫وقع يف هذه الـ ِم ْه َواة ما َّ‬
‫اجلهمية اإلانث الذين ذهبوا مذهب اجلهمية األوىل يف أن اإلميان هو جمرد‬
‫التصديق الذي يف القلب وإن مل يقرتن به قول اللسان ومل يقتض عمال يف‬
‫القلب وال يف اجلوارح‪.‬‬
‫مث قال‪ :‬وليس الغرض هنا استيفاء الكالم يف هذا األصل وإمنا الغرض البينة‬
‫على ما خيتص هذه املسألة وذلك من وجوه‪:‬‬
‫أحدها ‪ :‬أن احلكاية املذكورة عن الفقهاء أنه إن كان مستحال كفر وإال فال‪،‬‬
‫ليس هلا أصل وإمنا نقلها القاضي من كتاب بعض املتكلمني الذين نقلوها عن‬
‫الفقهاء وهؤالء نقلوا قول الف قهاء مبا ظنوه جاراي يف أصوهلم أو مبا قد مسعوه‬
‫من بعض املنتسبني إىل الفقه ممن ال يعد قوله قوال‪ ،‬وقد حكينا نصوص أئمة‬
‫الفقهاء وحكاية إمجاعهم ممن هو أعلم الناس مبذاهبهم‪ ،‬فال يظن ظان أن يف‬
‫املسألة خالفا جيعل املسألة من مسائل اخلالف واالجتهاد‪ ،‬وإمنا ذلك غلط ال‬
‫ي ستطيع أحد أن حيكي عن واحد من الفقهاء أئمة الفتوى هذا التفصيل البتة‪.‬‬
‫الوجه الثاين‪ :‬أن الكفر إذا كان هو االستحالل فإمنا معناه اعتقاد أن السب‬
‫حالل ك َف َر‪ ،‬وال ريب أن من اعتقد‬
‫حرمه هللا تعاىل ٌ‬ ‫حالل‪ ،‬فإنه ملا اعتقد أن ما َّ‬
‫(‪ )1‬الصارم املسلول (‪ )504-504/1‬خمتصرا‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪41‬‬

‫فر‪ ،‬لكن ال فرق يف ذلك بني سب‬ ‫يف احملرمات املعلوم حترميها أهنا حالل ك َ‬
‫النيب ﷺ وبني قذف املؤمنني والكذب عليهم والغيبة هلم إىل غري ذلك من‬
‫األقوال اليت عُلم أن هللا حرمها‪ ،‬فإنه من فعل شيئا من ذلك مستحال كفر‪،‬‬
‫مع أنه ال جيوز أن يقال من قذف مسلما أو اغتابه كفر ويعىن بذلك إذا‬
‫استحله‪.‬‬
‫كفر سواء اقرتن به وجود السب أو مل‬ ‫حل السب ٌ‬ ‫الوجه الثالث‪ :‬أن اعتقاد ِّ‬
‫يقرتن‪ ،‬فإذا ال أثر للسب يف التكفري وجودا وعدما وإمنا املؤثر هو االعتقاد وهو‬
‫خالف ما أمجع عليه العلماء‪.‬‬
‫السب ما يدل على‬ ‫يف‬ ‫فليس‬ ‫ِ‬
‫احلل‬ ‫اعتقاد‬ ‫هو‬ ‫ر‬ ‫الوجه الرابع‪ :‬أنه إذا كان املك ِّ‬
‫ف‬
‫ّ‬ ‫ّ‬
‫أن الساب مستحل فيجب أن ال يكفر‪ ،‬ال سيما إذا قال‪" :‬أان اعتقد أن هذا‬
‫حرام وإمنا أقول غيظا وس َفها أو عبثا أو لعبا" كما قال املنافقون‪" :‬إَِّمنَا ُكنَّا‬
‫وض َونَـ ْل َعب" كما إذا قال‪: :‬إمنا قذفت هذا أو كذبت عليه لعبا وعبثا"‪،‬‬ ‫َخنُ ُ‬
‫فإن قيل ال يكونون كفارا فهو خالف نص القرآن‪ ،‬وإن قيل يكونون كفارا‬
‫فهو تكفري بغري موجب إذا مل جيعل نفس السب مك ِّفرا‪ ،‬وقول القائل أان ال‬
‫أصدقه يف هذا ال يستقيم فإن التكفري ال يكون أبمر حمتمل فإذا كان قد قال‪:‬‬
‫"أان أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأان أفعله" فكيف يكفر إن مل يكن ذلك‬
‫كفرا؟ وهلذا قال سبحانه وتعاىل‪" :‬ال تَـ ْعتَ ِذ ُروا قَ ْد َك َف ْرُْمت بَـ ْع َد إِميَانِ ُك ْم" ومل يقل‬
‫قد كذبتم يف قولكم إمنا كنا خنوض ونلعب فلم يكذهبم يف هذا العذر كما‬
‫كذهبم يف سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءهتم من الكفر كما لو‬
‫كانوا صادقني بل بني أهنم كفروا بعد إمياهنم هبذا اخلوض واللعب‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪42‬‬

‫إىل أن قال‪ :‬وم نشأ هذه الشبهة اليت أوجبت هذا الوهم من املتكلمني ومن‬
‫حذا حذوهم من الفقهاء أهنم رأوا أن اإلميان هو تصديق الرسول ﷺ فيما‬
‫أخرب به‪ ،‬ورأوا أن اعتقاد صدقه ال ينايف السب والشتم ابلذات‪ ،‬كما أن اعتقاد‬
‫إجياب طاعته ال ينايف معصيته‪ ،‬فإن اإلنسان قد يُهني من يعتقد وجوب إكرامه‬
‫كما يرتك ما يعتقد وجوب فعله ويفعل ما يعتقد وجوب تركه‪ ،‬مث رأوا أن األمة‬
‫كفرت الساب فقالوا‪ :‬إمنا كفر ألن سبَّه دليل على أنه مل يعتقد أنه حرام‪،‬‬‫قد َّ‬
‫واعتقاد حله تكذيب للرسول فكفر هبذا التكذيب ال بتلك اإلهانة وإمنا اإلهانة‬
‫دليل على التكذيب‪ ،‬فإذا فرض أنه يف نفس األمر ليس مبكذب كان يف نفس‬
‫األمر مؤمنا وإن كان حكم الظاهر إمنا جيري عليه مبا أظهره فهذا مأخذ املرجئة‬
‫ومعتضديهم وهم الذين يقولون‪" :‬اإلميان هو االعتقاد والقول"‪ .‬اهـ‬
‫وما قاله رمحه هللا يف السب يقال يف احلكم بغري ما أنزل هللا ألن كليهما عمل‬
‫ظاهر حكم هللا سبحانه على فاعله ابلكفر‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪43‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثالثة‪:‬‬
‫أصغر فقط إال إذا استحله بقلبه مث بنوا عليه أن‬
‫قوهلم أبن الكفر العملي ٌ‬
‫احلكم بغري ما أنزل هللا أصغر إال إذا استحل‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬تفريعهم أبن احلكم بغري ما أنزل هللا كفر أصغر إال إذا استحل‪ ،‬مبين على‬
‫أصل ابطل من أصول املرجئة الذين ُخيرجون العمل من أصل اإلميان‪ ،‬وليس‬
‫عندهم عمل واجب من أصل اإلميان ينتفي اإلميان ابنتفائه كما عليه أهل‬
‫السنة واجلماعة‪ ،‬فأصل اإلميان عند املرجئة هو تصديق القلب فقط فيكون‬
‫نقيضه الكفر ابالعتقاد فقط‪ ،‬إما ابلتكذيب وهو اجلحود أو االستحالل‪ ،‬فمن‬
‫عمل عمال حكم الشرع على فاعله ابلكفر ال يكفر عندهم إال إذا عُلِم‬
‫اعتقاده‪ ،‬وهلذا قالوا أبن الكفر العملي كله أصغر‪ ،‬لعدم ع ّدهم العمل الظاهر‬
‫ركنا يقوم عليه اإلميان‪.‬‬
‫وقول أهل السنة واجلماعة يف منزلة العمل من اإلميان أنه على مراتب‪:‬‬
‫‪ ‬منه ما هو ركن يف اإلميان ال يثبت اإلميان إال به‪ ،‬وهذه مرتبة أصل اإلميان‪.‬‬
‫‪ ‬ومنه ما هو واجب ال يُنفى اإلميان برتكه‪ ،‬لكن يستحق التارك اإلمث وهذه‬
‫مرتبة اإلميان الواجب‪.‬‬
‫‪ ‬ومنه ما هو مستحب ال يعاقب اتركه‪ ،‬وهذه مرتبة اإلميان املستحب‪.‬‬
‫واملرتبة األوىل (أصل اإلميان) قسمان‪:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪44‬‬

‫‪ ‬أعمال ن ص الدليل على أن فعلها من أصل اإلميان‪ ،‬فيكون تركها كفر‬


‫كالصالة على القول الراجح‪.‬‬
‫‪ ‬أعمال نص الدليل على أن تركها من أصل اإلميان فيكون فعلها كفر‬
‫كالسجود للصنم‪.‬‬
‫أخل هبا دون اشرتاط االعتقاد‪ ،‬وهي القسم الذي ذكر‬
‫وهذه املرتبة يكفر من ّ‬
‫العلماء أنه كفر عملي أكرب‪.‬‬
‫قال ابن القيم رمحه هللا(‪ : )1‬شعب اإلميان قسمان‪ :‬قولية وفعلية‪.‬‬
‫وكذلك شعب الكفر نوعان قولية وفعلية‪.‬‬
‫ومن شعب اإلميان القولية شعبة يوجب زواهلا زوال اإلميان‪ ،‬فكذلك من شعبه‬
‫الفعلية ما يوجب زواهلا زوال اإلميان‪ ،‬وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية‪،‬‬
‫فكما يكفر ابإلتيان ب كلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر‪،‬‬
‫فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم واالستهانة ابملصحف‪.‬‬
‫اهـ‬
‫وكثري من العلماء قد حكى اإلمجاع على أن من األعمال الظاهرة ما هو كفٌر‬
‫أكرب فمن ذلك‪:‬‬
‫‪ ‬قول إسحاق بن راهويه رمحه هللا(‪ :)2‬أمجع املسلمون على أن من سب هللا‬
‫أو سب رسوله صلى هللا عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل هللا عز وجل أو قتل‬

‫(‪)1‬كتاب الصالة ص (‪)80‬‬


‫(‪ )2‬التمهيد البن عبد الرب (‪.)220/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪45‬‬

‫نبيا من أنبياء هللا عز وجل‪" :‬أنه كافر بذلك وان كان مقرا بكل ما أنزل هللا‪.‬‬
‫اهـ‬
‫‪ ‬وقول ابن حزم رمحه هللا(‪ :)1‬من أظهر الكفر ال قارائً وال شاهدا وال حاكيا‬
‫وال مكرها‪ ،‬فإمجاع األمة على احلكم له حبكم الكفر وحبكم رسول هللا ﷺ‬
‫بذلك‪ ،‬وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر أنه كافر‪ .‬اهـ الفصل يف امللل‬
‫واألهواء والنحل بتصرف يسري جدا‬
‫‪ ‬وقول أيب بطني رمحه هللا(‪ :)2‬واملرت ّد هو الذي يكفر بعد إسالمه بكالم‬
‫ابلشهادتني ويصلّي ويصوم‪،‬‬
‫شك‪ ،‬وهو قبل ذلك يتل ّفظ ّ‬ ‫أو اعتقاد أو فعل أو ّ‬
‫ابلشهادتني‪ ،‬ويصلّي‬
‫فإذا أتى بشيء مما ذكروه صار مرت ّداً‪ ،‬مع كونه يتكلّم ّ‬
‫ابلشهادتني وصالته وصومه عن احلكم عليه ابلردة‪،‬‬
‫ويصوم‪ ،‬وال مينعه تكلّمه ّ‬
‫السنة واإلمجاع‪ .‬اهـ‬
‫وهذا ظاهر ابألدلّة من الكتاب و ّ‬
‫‪ .2‬بناء على التأصيل السابق نقول إن احلكم بغري ما أنزل هللا من الكفر‬
‫العملي‪ ،‬ومبا أن الكفر العملي قسمان‪ ،‬فإن احلكم بغري ما أنزل هللا قسمان‬
‫أيضا‪ :‬أكرب وأصغر‪.‬‬

‫‪ ‬ومن صور الكفر العملي األكرب‪ :‬أن ّ‬


‫يشرع القانون الوضعي أو حيكم به‬
‫أو حيكم ابلشرائع املنسوخة أو أبعراف اجلاهلية‪ ،‬وال يشرتط أن يعتقد صحتها‬
‫أو يستحلّها أو جيحد حكم هللا‪.‬‬

‫(‪ )1‬الفصل يف امللل واألهواء والنحل (‪.)110/1‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الرسائل واملسائل النجدية (‪.)045/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪46‬‬

‫‪ ‬ومن صور الكفر العملي األصغر‪ :‬أن يكون ملتزما حلكم هللا مث حيكم ظلما‬
‫أو هلوى يف قضية معينة دون أن يبدل أصل حكم هللا فيها‪ ،‬ودون إلزام عام‬
‫أو تقنني‪ ،‬وهي اليت ال يكفر فيها إال املستحل أو اجلاحد‪.‬‬
‫ومن أقوال أهل العلم يف بيان القسم األول (األكرب)‪:‬‬
‫‪ ‬قول ابن حزم رمحه هللا(‪ : )1‬النسيء كفر وهو عمل من األعمال‪ ،‬وهو حتليل‬
‫ما حرم هللا تعاىل‪ ،‬فمن أحل ما حرم هللا تعاىل وهو عامل أبن هللا تعاىل حرمه‬
‫حرم‬
‫حرم ما أحل هللا تعاىل فقد أحل ما ّ‬‫فهو كافر بذلك الفعل نفسه‪ ،‬وكل من ّ‬
‫حرم على الناس أن حيرموا ما أحل هللا‪ .‬اهـ الفصل‬‫هللا عز وجل ألن هللا تعاىل ّ‬
‫يف امللل واألهواء والنحل‬
‫{ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬ ‫‪ ‬وقول ابن كثري رمحه هللا(‪ )2‬عن قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ } ( ‪. )3‬‬
‫" ينكر تعاىل على من خرج عن حكم هللا احملكم املشتمل على كل خري‪،‬‬
‫الناهي عن كل شر وعدل إىل ما سواه من اآلراء واألهواء واالصطالحات‪،‬‬
‫اليت وضعها الرجال بال مستند من شريعة هللا‪ ،‬كما كان أهل اجلاهلية حيكمون‬
‫به من الضالالت واجلهاالت‪ ،‬مما يضعوهنا آبرائهم وأهوائهم‪ ،‬وكما حيكم به‬
‫التتار من السياسات امللكية املأخوذة عن ملكهم َجْن ِك ْز َخان‪ ،‬الذي وضع هلم‬
‫الياسق وهو‪ :‬عبارة عن كتاب جمموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شىت‪،‬‬

‫(‪ )1‬الفصل يف امللل واألهواء والنحل (‪.)114/1‬‬


‫(‪ )2‬تفسري ابنكثري (‪.)241/4‬‬
‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪47‬‬

‫من اليهودية والنصرانية وامللة اإلسالمية‪ ،‬وفيها كثري من األحكام أخذها من‬
‫جمرد نظره وهواه‪ ،‬فصارت يف بنيه شرعا متبعا‪ ،‬يقدموهنا على احلكم بكتاب‬
‫هللا وسنة رسوله ﷺ‪ ،‬ومن فعل ذلك منهم فهو كافر جيب قتاله‪ ،‬حىت يرجع‬
‫إىل حكم هللا ورسوله ﷺ فال حيكم سواه يف قليل وال كثري"‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ " :)1‬مث ذكر اجلويين شيئا من الياسق من ذلك‪ ،‬أنه من زان قتل‪،‬‬
‫حمصنا كان أو غري حمصن‪ ،‬وكذلك من الط قتل‪ ،‬ومن تعمد الكذب قتل‪،‬‬
‫ومن سحر قتل‪ ،‬ومن جتسس قتل‪ ،‬ومن دخل بني اثنني خيتصمان فأعان‬
‫أحدمها قتل‪ ،‬ومن ابل يف املاء الواق ف قتل‪ ،‬ومن انغمس فيه قتل‪ ،‬ومن أطعم‬
‫أسريا أو سقاه أو كساه بغري إذن أهله قتل‪ ،‬ومن وجد هاراب ومل يرده قتل‪،‬‬
‫ومن رمى إىل أحد شيئا من املأكول قتل‪ ،‬بل يناوله من يده إىل يده‪ ،‬ومن‬
‫أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أوال‪ ،‬ولو كان املطعم أمريا ألسري‪ ،‬ومن أكل ومل‬
‫يطعم من عنده قتل‪ ،‬ومن ذبح حيواان ذبح مثله‪ ،‬بل يشق جوفه‪ ،‬ويتناول قلبه‬
‫بيده يستخرجه من جوفه أوال‪.‬‬
‫ويف ذلك كله خمالفة لشرائع هللا املنزلة على عباده األنبياء عليهم الصالة‬
‫والسالم‪ ،‬فمن ترك الشرع احملكم املنزل على حممد بن عبد هللا خامت األنبياء‪،‬‬
‫وحتاكم إىل غريه من الشرائع املنسوخة كفر‪ ،‬فكيف مبن حتاكم‬
‫إىل " الياسق " وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر ذإمجاع املسلمني"‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬البداية والنهاية (‪.)102/14‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪48‬‬

‫وقال محد بن عتيق رمحه هللا(‪ )1‬معلقا على بعض كالم ابن كثري السابق‪ :‬قلت‪:‬‬
‫ومثل هؤالء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شاهبهم‪ ،‬من حتكيم عادات آابءهم‪،‬‬
‫وما وضعه أوائلهم من ا ملوضوعات امللعونة اليت يسموهنا (شرع الرفاقة) يقدموهنا‬
‫على كتاب هللا وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ومن فعل ذلك فهو كافر‪،‬‬
‫جيب قتاله حىت يرجع إىل حكم هللا ورسوله‪ .‬اهـ‬
‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ‬ ‫‪ ‬وقال السعدي رمحه هللا(‪ )2‬عن قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥﭦ‬
‫ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ} (‪. )3‬‬

‫ين يَـ ْزعُ ُمو َن أَنـَّ ُه ْم" مؤمنون مبا جاء‬ ‫َّ ِ‬ ‫ِ‬
‫عج ب تعاىل عباده من حالة املنافقني "الذ َ‬ ‫يُ ّ‬
‫وت" وهو كل‬ ‫يدو َن أَ ْن يـتحا َكموا إِ َىل الطَّاغُ ِ‬
‫به الرسول ومبا قبله‪ ،‬ومع هذا "يُِر ُ‬
‫ََ َ ُ‬
‫من حكم بغري شرع هللا فهو طاغوت‪ ،‬واحلال أهنم "قد أ ُِم ُروا أَ ْن يَ ْك ُف ُروا‬
‫بِِه " فكيف جيتمع هذا واإلميان؟ فإن اإلميان يقتضي االنقياد لشرع هللا وحتكيمه‬
‫فم ْن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم‬ ‫يف كل أمر من األمور‪َ ،‬‬
‫"ويُِر ُ‬
‫يد‬ ‫هللا‪ ،‬فهو كاذب يف ذلك‪ .‬وهذا من إضالل الشيطان إايهم‪ ،‬وهلذا قال‪َ :‬‬
‫يدا" عن احلق‪ .‬اهـ‬ ‫ضالال بَعِ ً‬ ‫ِ‬
‫الشَّْيطَا ُن أَ ْن يُضلَّ ُه ْم َ‬

‫(‪ )1‬سبيل النجاة والفكاك من مواالة املرتدين واألتراك ص (‪)144‬‬


‫(‪ )2‬تفسري السعدي ص (‪.)144‬‬
‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪49‬‬

‫‪ ‬وقال أمحد شاكر رمحه هللا(‪ : )1‬إن األمر يف هذه القوانني الوضعية واضح‬
‫وضوح الشمس‪ ،‬هي كفر بواح‪ ،‬ال خفاء فيه وال مداراة‪ ،‬وال عذر ألحد ممن‬
‫ينتسبون لإلسالم كائناً من كان يف العمل هبا أو اخلضوع هلا أو إقرارها‪ .‬اهـ‬
‫‪ ‬وقال األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪" :)2‬وهبذه النصوص السماوية اليت ذكران‬
‫يظهر غاية الظهور‪ :‬أن الذين يتبعون القوانني الوضعية اليت شرعها الشيطان‬
‫على ألسنة أوليائه خمالفة ملا شرعه هللا جل وعال على ألسنة رسله صلى هللا‬
‫عليهم وسلم‪ ،‬أنه ال يشك يف كفرهم وشركهم إال من طمس هللا بصريته‪ ،‬وأعماه‬
‫عن نور الوحي مثلهم"‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪" :)3‬وأما النظام الشرعي املخالف لتشريع خالق السماوات واألرض‬
‫فتحكيمه كفر خبالق السماوات واألرض‪ ،‬كدعوى أن تفضيل الذكر على‬
‫األنثى يف املرياث ليس ذإنصاف‪ ،‬وأهنما يلزم استواؤمها يف املرياث‪ ،‬وكدعوى أن‬
‫تعدد الزوجات ظلم‪ ،‬وأ ن الطالق ظلم للمرأة‪ ،‬وأن الرجم والقطع وحنومها أعمال‬
‫وحشية ال يسوغ فعلها ابإلنسان‪ ،‬وحنو ذلك‪.‬‬
‫فتحكيم هذا النوع من النظام يف أنفس اجملتمع وأمواهلم وأعراضهم وأنساهبم‬
‫وعقوهلم وأدايهنم كفر خبالق السماوات واألرض‪ ،‬ومترد على نظام السماء الذي‬
‫وضعه من خلق اخلالئق كله ا وهو أعلم مبصاحلها سبحانه وتعاىل عن أن يكون‬
‫معه مشرع آخر علوا كبريا"‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬عمدة التفسري (‪.)054/1‬‬


‫(‪ )2‬تفسري أضواء البيان (‪.)114-145/4‬‬
‫(‪ )1‬انظر ما قبله‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪51‬‬

‫وقال أيضا(‪ " :)1‬ومن هدي القرآن لليت هي أقوم بيانه أنه كل من اتبع تشريعا‬
‫غري التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم حممد بن عبد هللا صلوات هللا وسالمه‬
‫عليه‪ ،‬فاتباعه لذلك التشريع املخالف كفر بواح‪ ،‬خمرج عن امللة اإلسالمية‪ .‬اهـ‬
‫أضواء البيان‬
‫وقال أيضا‪ :‬والعجب ممن حيكم غري تشريع هللا مث يدعي اإلسالم"‪ .‬اهـ‬
‫ومن كالم العلماء عن القسم الثاين (األصغر)‪:‬‬
‫‪ ‬قول شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬وأما من كان ملتزما حلكم هللا‬
‫ورسوله ابطنا وظاهرا‪ ،‬لكن عصى واتبع هواه‪ ،‬فهذا مبنزلة أمثاله من العصاة"‪.‬‬
‫اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ " :)3‬فإن احلاكم إذا كان دينا لكنه حكم بغري علم كان من أهل‬
‫النار وإن كان عاملا لكنه حكم خبالف احلق الذي يعلمه كان من أهل النار‬
‫وإذا حكم بال عدل وال علم كان أوىل أن يكون من أهل النار‪ .‬وهذا إذا حكم‬
‫يف قضية معينة لشخص"‪ .‬اهـ‬
‫قول ابن القيم رمحه هللا(‪ :)4‬والصحيح أن احلكم بغري ما أنزل هللا يتناول الكفرين‪،‬‬
‫األصغر واألكرب حبسب حال احلاكم‪ ،‬فإنه إن اعتقد وجوب احلكم مبا أنزل هللا‬

‫(‪ )1‬تفسري أضواء البيان (‪.)422/1‬‬


‫(‪ )2‬منهاج السنة النبوية (‪)111/4‬‬
‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)188/14‬‬
‫(‪ )4‬مدارج السالكني (‪.)544/2‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪51‬‬

‫يف هذه الواقعة‪ ،‬وعدل عنه عصياان‪ ،‬مع اعرتافه أبنه مستحق للعقوبة‪ ،‬فهذا‬
‫كفر أصغر‪ .‬اهـ‬
‫وقال األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪ : )1‬أما من حكم بغري حكم هللا‪ ،‬وهو عامل أنه‬
‫مرتكب ذنبا‪ ،‬فاعل قبيحا‪ ،‬وإمنا محله على ذلك اهلوى فهو من سائر عصاة‬
‫املسلمني‪ .‬اهـ‬
‫‪ .3‬أن ما جاء عن بعض علماء أهل السنة من تقسيمهم الكفر إىل نوعني‬
‫اعتقادي وعملي‪ ،‬وجعلوا األول هو األكرب املخرج من امللة والثاين هو األصغر‪،‬‬
‫ال يقصدون به ما فهمه بعض مرجئة زماننا أن الكفر العملي أصغر مطلقا‪،‬‬
‫نقض أصل‬ ‫ي‬ ‫ال‬ ‫ها‬‫ُ‬‫ل‬ ‫ع‬ ‫إمنا من حكى ذلك من العلماء عىن به األعمال اليت فِ‬
‫َ ُ‬ ‫ْ‬
‫اإلميان على التقسيم السابق الذي ذكرانه يف الوجه األول وهي الكبائر‪ ،‬فإهنم‬
‫قالوا ذلك يف مق ابلة قول اخلوارج الذين جعلوا فعل الكبائر من الكفر األكرب‪،‬‬
‫استدالال مبا ُمسّي يف بعض النصوص أبنه كفر كحديث‪" :‬سباب املسلم فسوق‬
‫وقتاله كفر"‪ ،‬فقالوا الكفر املقصود هنا هو الكفر العملي الذي ال خيرج من‬
‫امللة وال يكفر إال املستحل له‪ ،‬فمن استحل قتل املسلم كفر ومن قتله بال‬
‫استحالل لذلك كان كفرا عمليا أصغر‪.‬‬
‫ولذلك جتد هؤالء العلماء ملا ذكروا هذا التقسيم‪ ،‬ذكروا يف مواضع أخرى صورا‬
‫لبعض األعمال املكفرة وحكموا على فاعلها ابلكفر األكرب‪ ،‬ولو كان الكفر‬
‫العملي عندهم أصغر مطلقا لطردوا هذا القول‪ ،‬ولكن ِذ ْك ُره يف مواضع دون‬
‫مواضع يُعلم منه أن تفسريه كما ذكرانه ال كما فهمه مرجئة زماننا‪ ،‬ونصوص‬

‫(‪ )1‬أضواء البيان (‪.)124/2‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪52‬‬

‫العامل تفسر بعضها بعضا‪ ،‬وال جيوز أن يؤخذ رأيه من بعض كالمه بل ال بد‬
‫من مجع كالمه كله يف الباب ليعلم رأيه ومذهبه‪.‬‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪" :)1‬ليس ألحد أن حيمل كالم أحد من‬
‫الناس إال على ما عرف أنه أراده ال على ما حيتمله ذلك اللفظ يف كالم كل‬
‫يتأول النصوص املخالفة لقوله‪ ،‬يسلك مسلك من‬ ‫أحد فإن كثريا من الناس ّ‬
‫جيعل "التأويل" كأنه ذكر ما حيتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك احملتج عليه‬
‫بذلك النص وهذا خطأ"‪ .‬اهـ‬
‫فسر كالم املتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كالمه هاهنا‬ ‫وقال أيضا(‪" :)2‬جيب أن يُ َّ‬
‫وهاهنا وتعرف ما عادته يعني ه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به وتعرف املعاين‬
‫اليت عرف أنه أرادها يف موضع آخر فإذا عرف عرفه وعادته يف معانيه وألفاظه‬
‫كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده‪.‬‬
‫وأما إذا استعمل لفظه يف معىن مل جتر عادته ابستعماله فيه وترك استعماله يف‬
‫املعىن الذي جرت عادته ابستعماله فيه ومحل كالمه على خالف املعىن الذي‬
‫قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ جبعل كالمه متناقضا وترك محله على ما يناسب‬
‫سائر كالمه كان ذلك حتريفا لكالمه عن موضعه وتبديال ملقاصده وكذاب عليه"‪.‬‬
‫اهـ‬
‫ومن األمثلة يف ذلك اقتصاص املرجئة بعض كالم ابن القيم رمحه هللا يف تقسيم‬
‫الكفر‪ ،‬وفهمهم منه أن احلكم بغري ما أنزل هللا من الكفر العملي األصغر‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)10/4‬‬


‫(‪ )2‬اجلواب الصحيح ملن ب ّدل دين املسيح (‪.)44/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪53‬‬

‫مطلقا‪ ،‬ومن ثَـ َّـم بنوا على فهمهم أن احلكم ابلقوانني الوضعية كفر أصغر‬
‫ال يكفر احلاكم هبا حىت يستحلّها أو جيحد حكم هللا‪ ،‬وهذه طريقة أهل البدع‬
‫الذين يقتطعون النصوص وحيرفون معانيها لنصرة مذهبهم‪.‬‬
‫فالنص الذي اقتطعوه هو قوله(‪ :)1‬وأما احلكم بغري ما أنزل هللا وترك الصالة‬
‫فهو من الكفر العملي قطعا‪ ،‬وال ميكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه‬
‫هللا ورسوله ﷺ عليه‪ ،‬فاحلاكم بغري ما أنزل هللا كافر‪ ،‬واترك الصالة كافر بنص‬
‫رسول هللا ﷺ‪ ،‬ولكن هو كفر عمل ال كفر اعتقاد‪ ،‬ومن املمتنع أن يُس ِّم َي‬
‫سم َي رسول هللا ﷺ اترك الصالة‬ ‫ِ‬
‫هللا سبحانه احلاكم بغري ما أنزل هللا كافرا ويُ ّ‬
‫كافرا وال يطلق عليهما اسم كافر‪ ،‬وقد نفى رسول هللا ﷺ اإلميان عن الزاين‬
‫والسارق وشارب اخلمر‪ ،‬وعمن ال أيمن جاره بوائقه‪ ،‬وإذا نُفي عنه اسم اإلميان‬
‫فهو كافر من جهة العمل وانتفى عنه كفر اجلحود واالعتقاد‪ ،‬وكذلك قوله‪:‬‬
‫"ال ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"‪ ،‬فهذا كفر عمل‪ ،‬وكذلك‬
‫قوله‪" :‬من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة يف دبرها فقد كفر مبا أنزل على حممد‬
‫ﷺ"‪ ،‬وقوله‪" :‬إذا قال الرجل ألخيه اي كافر فقد ابء هبا أحدمها"‪ .‬اهـ‬
‫ابطل لوجوه‪:‬‬ ‫ِ‬
‫وهذا الفهم منهم لكالم ابن القيم رمحه هللا ورأيه ٌ‬
‫‪ ‬األول‪ :‬أن سياق كالم ابن القيم هنا يدل على أنه يتكلم عن الكبائر اليت‬
‫دون الكفر األكرب‪ ،‬واليت مسّى هللا تعاىل فاعلها كافرا أو نُِف َي اإلميان عنه‪ ،‬ومبا‬
‫أن احلكم بغري ما أنزل هللا له مرتبتان منه ما هو كفر أكرب ومنه ما هو كفر‬
‫أصغر‪ ،‬فإن املقصود هنا هو األصغر بال شك‪.‬‬

‫(‪)1‬كتاب الصالة ص (‪.)85‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪54‬‬

‫وقد ّبني قصده هنا بعد كالمه أبسطر‪ ،‬حيث قال‪ :‬وقد أعلن النيب ﷺ مبا‬
‫ففرق‬
‫قلناه يف قوله يف احلديث الصحيح‪" :‬سباب املسلم فسوق وقتاله كفر" ّ‬
‫بني قتاله وسبابه‪ ،‬وجعل أحدمها فسوقا ال يكفر به واآلخر كفر‪ ،‬ومعلوم أنه‬
‫إمنا أراد الكفر العلمي ال االعتقادي وهذا الكفر ال خيرجه من الدائرة اإلسالمية‬
‫وامللة ابلكلية‪ ،‬كما ال خيرج الزاين والسارق والشارب من امللة وإن زال عنه اسم‬
‫اإلميان‪.‬‬
‫وهذا التفصي ل هو قول الصحابة الذين هم أعلم األمة بكتاب هللا وابإلسالم‬
‫والكفر ولوازمهما‪ ،‬فال تـُتَ لقى هذه املسائل إال عنهم‪ ،‬فإن املتأخرين مل يفهموا‬
‫مرادهم فانقسموا فريقني فريقا أخرجوا من امللة ابلكبائر وقضوا على أصحاهبا‬
‫ابخللود يف النار‪ ،‬وفريقا جعلوهم مؤمنني كاملي اإلميان فهؤالء غلوا وهؤالء‬
‫جفوا وهدى هللا أ هل السنة للطريقة املثلى والقول الوسط‪ .‬اهـ‬
‫فالسياق واضح أن املقصود ابلكالم هنا الكبائر اليت ال تناقض أصل اإلميان‪.‬‬
‫‪ ‬الثاين‪ :‬أن ابن القيم ال جيعل الكفر العملي أصغر مطلقا كما يقوله هؤالء‬
‫املرجئة‪ ،‬إمنا يقسمه كما قسمه أهل ا لسنة واجلماعة‪ ،‬وهلذا قال قبل النص‬
‫املذكور‪ :‬وأما كفر العمل فينقسم إىل ما يضاد اإلميان وإىل ما ال يضاده‬
‫فالسجود للصن م واالستهانة ابملصحف وقتل النيب وسبه يضاد اإلميان‪ .‬اهـ‬
‫وهذا نص صريح منه ال يقبل التأويل يف أن من الكفر العملي ما هو أكرب‪.‬‬
‫‪ ‬الثالث‪ :‬أن ابن القي م يف كتبه األخرى ذكر أن احلكم بغري ما أنزل هللا على‬
‫قسمني أكرب وأصغر حيث قال(‪ :)1‬والصحيح أن احلكم بغري ما أنزل هللا يتناول‬

‫(‪ )1‬مدارج السالكني (‪.)544/2‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪55‬‬

‫الكفرين‪ ،‬األصغر واألكرب حبسب حال احلاكم‪ ،‬فإنه إن اعتقد وجوب احلكم‬
‫مبا أنزل هللا يف هذه الواقعة‪ ،‬وعدل عنه عصياان‪ ،‬مع اعرتافه أبنه مستحق‬
‫للعقوبة‪ ،‬فهذا كفر أصغر‪ ،‬وإن اعتقد أنه غري واجب‪ ،‬وأنه خمري فيه‪ ،‬مع تيقنّه‬
‫أنه حكم هللا‪ ،‬فهذا كفر أكرب‪ ،‬وإن جهله وأخطأه فهذا خمطئ‪ ،‬له حكم‬
‫املخطئني‪ ،‬والقصد أن املعاصي كلها من نوع الكفر األصغر‪ .‬اهـ‬
‫فإن قيل‪ :‬ملا قيّد صورة الكفر األكرب ابالعتقاد هنا؟‬
‫قلنا‪ :‬ألن سياق الكالم فيمن حيكم مبا أنزل هللا ملتزما به مث تركه يف قضية‬
‫معينة ‪ ،‬ولذلك جعل األمر حبسب احلاكم ألن احملكوم به هنا هو حكم هللا‪،‬‬
‫واحلاكم هو الذي يرتكه أو حيكم به‪ ،‬فمعىن كالمه أن من يلتزم حكم هللا مث‬
‫تركه يف واقعة معينة مع اعتقاد وجوبه وأنه عاص بفعله هو الذي يقال عنه كفر‬
‫أصغر‪ ،‬ومن تركه يف هذه الواقعة مع اعتقاده عدم وجوبه وأنه خمري فيه هو الذي‬
‫يقال عنه كفر أكرب‪ ،‬فكان قيد االعتقاد ألن صورة األصغر هذه ال تكون كفرا‬
‫أكرب إال إذا استحلها‪ ،‬وقد سبق ذكر بعض كالم العلماء فيها‪.‬‬
‫فال حجة يف هذا الكالم للمستدل به على أن من حيكم ابلطاغوت كالقوانني‬
‫الوضعية واألعراف اجلاهلية يشرتط فيه االعتقاد‪ ،‬ألن هذا حتاكم للطاغوت‬
‫والتزام حلكمه وتقدمي له على حكم هللا‪ ،‬أما كالم ابن القيم هنا فهو يف الواقعة‬
‫املعينة ِم ْن حاك ٍم حيكم بشرع هللا يف األصل مث تركه يف هذه القضية دون جعله‬
‫شرعا ملزما أو قانوان متبعا‪.‬‬
‫‪ ‬الرابع‪ :‬أن البن القيم كالما صرحيا فيمن حكم أو حتاكم لطاغوت احلكم‬
‫أبنه كفر أكرب مطلقا‪ ،‬وهو غري التفصيل السابق الذي ذكره‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪56‬‬

‫الرسول‪ ،‬فقد‬
‫ُ‬ ‫قال(‪ :)1‬أخرب سبحانه أن َم ْن حتاكم أو حاكم إىل غري ما جاء به‬
‫العبد حدَّه من معبود‬ ‫الطاغوت وحتاكم إليه‪ ،‬والطاغوت‪ُ :‬كل ما جتاوز به ُ‬ ‫َ‬ ‫َح َّكم‬
‫اَّلل ورسوله ﷺ‪،‬‬ ‫فطاغوت كل قوم َم ْن يتحاكمون إليه غري َّ‬‫ُ‬ ‫أو متبوع أو ُمطَ ٍاع؛‬
‫اَّلل‪ ،‬أو يطيعونه فيما‬ ‫اَّلل‪ ،‬أو يتبعونه على غري بصرية من َّ‬ ‫أو يعبدونه من دون َّ‬
‫ال يعلمون أنه طاعة ََّّلل؛ فهذه طواغيت العامل إذا أتملتَـ َها وأتملت أحوا َل الناس‬
‫اَّلل إىل عبادة الطاغوت‪ ،‬وعن‬ ‫معها‪ ،‬رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة َّ‬
‫اَّلل ورسوله ﷺ إىل التحاكم إىل الطاغوت‪ ،‬وعن طاعته ومتابعة‬ ‫التحاكم إىل َّ‬
‫ني الفائزين‬ ‫ِ‬
‫يق الناج َ‬ ‫رسوله إىل طاعة الطاغوت ومتابعته‪ ،‬وهؤالء مل يسلكوا طر َ‬
‫ص َدهم‪ ،‬بل خالفوهم يف‬ ‫من هذه األمة وهم الصحابة ومن تبعهم وال قَصدوا قَ ْ‬
‫معا‪ .‬اهـ‬
‫الطريق والقصد ً‬
‫بح لنا ُّ‬
‫قط‬ ‫ي‬ ‫لم‬ ‫ف‬ ‫ﷺ‬ ‫رسوله‬ ‫وإىل‬ ‫إليه‬ ‫فيه‬ ‫تنازعنا‬ ‫ما‬ ‫اَّلل ِ‬
‫برد‬ ‫وقال(‪ :)2‬وقد أمران َّ‬
‫ُْ‬ ‫ّ‬
‫أن نَـ ُرَّد ذلك إىل رأي‪ ،‬وال قياس‪ ،‬وال تقليد إمام‪ ،‬وال منام‪ ،‬وال ُكشوف‪ ،‬وال‬
‫إهلام‪ ،‬وال حديث قلب‪ ،‬وال استحسان‪ ،‬وال معقول‪ ،‬وال شريعة الديوان‪ ،‬وال‬
‫أضر منها‪ ،‬فكل‬ ‫سياسة امللوك‪ ،‬وال عوائد الناس اليت ليس على شرائع املرسلني َّ‬
‫منازعه إىل التحاكم إليها فقد حاكم إىل‬ ‫هذه طواغيت َم ْن حتاكم إليها أو َد َعا َ‬
‫الطاغوت‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ : )3‬االعرتاض على شرعه وأمره‪ .‬وأهل هذا االعرتاض ثالثة أنواع‪:‬‬

‫(‪ )1‬إعالم املوقعني (‪.)52/2‬‬


‫(‪ )2‬املرجع السابق (‪.)412/2‬‬
‫(‪ )1‬مدارج السالكني (‪.)1455/2‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪57‬‬

‫ِ‬
‫املتضمنة حتليل ما حرم هللا سبحانه‬ ‫أحدها‪ :‬املعرتضون عليه آبرائهم وأقيستهم‪،‬‬
‫ّ‬
‫وتعاىل‪ ،‬وحترمي ما أابحه‪ ،‬وإسقاط ما أوجبه‪ ،‬وإجياب ما أسقطه‪ ،‬وإبطال‬
‫ما صححه‪ ،‬وتصحيح ما أبطله‪ ،‬واعتبار ما ألغاه‪ ،‬وإلغاء ما اعتربه‪ ،‬وتقييد‬
‫ما أطلقه‪ ،‬وإطالق ما قيده‪.‬‬
‫النوع الثاين‪ :‬االعرتاض على حقائق اإلميان والشرع ابألذواق واملواجيد‬
‫ع دين مل أيذن به هللا‪،‬‬‫شر َ‬
‫واخلياالت‪ ،‬والكشوفات الباطلة الشيطانية‪ ،‬املتضمنة ْ‬
‫التعوض عن حقائق اإلميان ِخب َدع‬
‫وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله‪ ،‬و ُّ‬
‫الشيطان وحظوظ النفوس‪.‬‬
‫وهؤالء يف حظوظ اختذوها دينا‪ ،‬وقدموها على شرع هللا ودينه‪ ،‬واغتالوا هبا‬
‫القلوب‪ ،‬واقتطعوها عن طريق هللا‪.‬‬
‫النوع الثالث‪ :‬االعرتاض على ذلك ابلسياسات اجلائرة‪ ،‬اليت ألرابب الوالايت‬
‫اليت قدموها على حكم هللا ورسوله ﷺ وحكموا هبا بني عباده‪ ،‬وعطلوا هلا وهبا‬
‫شرعه وعدله وحدوده‪.‬‬
‫فقال األولون‪ :‬إذا تعا رض العقل والنقل أيهما يقدم؟‪ :‬قدمنا العقل‪.‬‬
‫وقال اآلخرون‪ :‬إذا تعارض األثر والقياس‪ :‬قدمنا القياس‪.‬‬
‫وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد‪ :‬إذا تعارض الذوق وال ِو ْجد والكشف‬
‫وظاهر الشرع‪ :‬قدمنا الذوق وال ِو ْجد والكشف‪.‬‬
‫وقال أصحاب السياسة‪ :‬إذا تعارضت السياسة والشرع‪ ،‬قدمنا السياسة‪.‬‬
‫فجعلت كل طائفة قُـبَالة دين هللا وشرعه طاغوات يتحاكمون إليه‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪58‬‬

‫فأصمت‪ ،‬وفتنة دعت القلوب‬‫فأعمت‪ ،‬ورِزيَّة َّرمت َّ‬


‫عمت َ‬ ‫فيا هلا من بلية‪ّ ،‬‬
‫وع ِميت منها‬
‫فص ّمت منها اآلذان‪َ ،‬‬
‫عصفت‪ُ ،‬‬ ‫فأجاهبا كل قلب مفتون‪ ،‬و ْأه ِوية َ‬
‫العيون‪ ،‬عُ ِطّلت هلا وهللا معامل األحكام‪ .‬اهـ خمتصرا‬
‫ومن كالمه السابق وكالمه هنا حنرر رأي ابن القيم يف هذه املسألة وهو كاآليت‪:‬‬
‫أ‪ -‬أن من يلتزم حكم هللا ورسوله مث يرتكه يف واقعة معينة ففيه التفصيل الذي‬
‫ذكره‪ ،‬فإن تركه مع اعتقاد وجوبه عاملا أبنه عاص فهو الكفر األصغر‪ ،‬فإن‬
‫اعتقد عدم وجوب حكم هللا يف هذه الواقعة فهو الكفر األكرب‪ ،‬وهلذا أرجع‬
‫األمر حلال احلاكم ال للمحكوم به ألنه ُح ْكم هللا ال حكم الطاغوت‪.‬‬
‫كم املخالف حلكم هللا شرعا م ْل ِزما أو سياسة عامة‬
‫ب‪ -‬إن َج َعل هذا احلاكم احلُ َ‬
‫فهو من احلكم ابلطاغوت‪ ،‬ألنه تبديل حلكم هللا والتزام حلكم غريه‪ ،‬ولذلك‬
‫مسّاه (شريعة الديوان وسياسة امللوك وعوائد الناس) وهذه أحكام يلتزم هبا‬
‫مشرعوها وجيعلوهنا دينا متبعا وأيمرون الناس ابتباعها‪ ،‬ومن صفاهتا كما قال‪:‬‬ ‫ّ‬
‫ع دين مل أيذن به هللا‪ ،‬وإبطال دينه الذي شرعه)‬
‫شر َ‬
‫(املتضمنة ْ‬
‫التعوض عن حقائق اإلميان خبدع الشيطان)‬
‫(و ُّ‬
‫(هؤالء يف حظوظ اختذوها دينا‪ ،‬وقدموها على شرع هللا ودينه)‬
‫(قدموها على حكم هللا ورسوله ﷺ وحكموا هبا بني عباده‪ ،‬وعطلوا هلا وهبا‬
‫شرعه وعدله وحدوده)‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪59‬‬

‫(التعوض‪ ،‬اختذوها دينا‪ ،‬قدموها على شرع هللا‪ ،‬عطلوا‬


‫وعند أتمل هذه األلفاظ ُّ‬
‫هبا شرعه) مع قوله (فجعلت كل طائفة قبالة دين هللا وشرعه طاغوات يتحاكمون‬
‫إليه)‪ ،‬تعلم أن طاغوت الطاعة واحلكم عند ابن القيم هو‪:‬‬
‫الشرع املتّخذ دينا غري دين هللا‪ ،‬حبيث تُعطَّ ُل به أحكام هللا‪ ،‬ويُقدم عليها‬
‫فيكون مقابلة شرع هللا أي يف فصل النزاعات والسياسة العامة‪.‬‬
‫هلذا جعل التحاكم هلا أو الدعوة لذلك من التحاكم للطاغوت‪ ،‬قال (فكل‬
‫منازعه إىل التحاكم إليها فقد حاكم إىل‬
‫هذه طواغيت َم ْن حتاكم إليها أو َد َعا َ‬
‫الطاغوت)‪ ،‬ومن حتاكم للطاغوت فقد كفر ابهلل كفرا أكرب‪ ،‬ففرق بني هذه‬
‫فصل فيها احلكم إىل صورتني‪.‬‬‫الصورة اليت ذكرها هنا وبني األخرى اليت ّ‬
‫وعلى كالمه إذاً تدخل الصورة املعاصرة واليت هي حمل النزاع هنا‪ ،‬وهي (احلكم‬
‫ابلقوانني الوضعية) ولو حكم بقانون واحد منها‪ ،‬ألهنا‪ :‬تشريع من البشر‪،‬‬
‫اختذوه دينا وحكما بينهم‪ ،‬عطلوا به حكم هللا وقدموها عليه‪ ،‬فهذا هو تعريف‬
‫طاغوت احلكم عند ابن القيم‪ ،‬وهلذا كان احلاكم هبا حاكما ابلطاغوت‪ ،‬وهو‬
‫كافر كفرا عمليا أكرب قوال واحدا بال تفصيل سواء اعتقد أو مل يعتقد‪ ،‬وهذا‬
‫هو رأي ابن القيم رمحه هللا ومذهبه يف هذه املسألة عند مجع أقواله‪.‬‬
‫فبطل هبذا استدالل املرجئة بكالمه يف عدم تكفري من حيكم ابلقوانني‬
‫الوضعية‪.‬‬
‫‪ .4‬أن احلكم مبا أنزل هللا من حيث األصل داخل يف معىن التوحيد‪ ،‬فإن‬
‫التوحيد علمي خربي وقصدي طليب‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪61‬‬

‫فاعتقاد تفرد هللا تعاىل ابحلكم والتشريع من التوحيد العلمي اخلربي‪ ،‬ألن هللا‬
‫سبحانه هو الذي يشرع لعباده األحكام اليت يُعبد هبا‪ ،‬فتوحيده هنا أبن يعتقد‬
‫ويصدق ويسلّم أن األمر والنهي‪ ،‬والتحليل والتحرمي‪ ،‬والتشريع‪ ،‬هلل تعاىل وحده‬
‫ال شريك له‪.‬‬
‫{ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ} (‪. )1‬‬ ‫وهلذا قال تعاىل‪:‬‬
‫{ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢ} (‪. )2‬‬ ‫وقال سبحانه‪:‬‬
‫النفي واإلثبات وهي حقيقة التوحيد‪.‬‬
‫وهذه من أعلى صيغ احلصر‪ُ ،‬‬
‫وشرعه أي األوامر والنواهي‪ ،‬فمن التوحيد القصدي‬ ‫وأما طاعته فيما حكم به ّ‬
‫الطليب‪ ،‬وتوحيده هنا بقبوهلا واالنقياد هلا واخلضوع وااللتزام هبا وهذه عبادة‬
‫الطاعة‪.‬‬
‫( ‪)3‬‬
‫{ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ}‬ ‫قال تعاىل‬
‫فلما ذكر تفرده ابحلكم وهو‪ :‬األمر والنهي والتحليل والتحرمي والتشريع‪ ،‬كان‬
‫وحيكم به ويُتحاكم له‪ ،‬فمن مل يقبل‬
‫وخيضع له ُ‬‫ال بد أن يُعبد به‪ ،‬أبن يطاع فيه ُ‬
‫رده أو ب ّدله حبكم غريه كان مشركا‬
‫حكم هللا أو مل يْنـ َق ْد له أو مل يلتزم به أو ّ‬
‫يصحب عمله اعتقاد أن حكم غري هللا‬ ‫ابهلل تعاىل شركا عمليا‪ ،‬وال يشرتط أن َ‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬سورة األعراف‪.44:‬‬
‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪61‬‬

‫أحسن من حكمه أو أعدل منه أو أصح منه أو يساويه‪ ،‬فإن اعتقد هذه‬
‫األمور انضاف إىل ما معه من شرك فصار مشركا ابلعمل وابالعتقاد‪.‬‬
‫مثال هذا‪:‬‬
‫من أعط ى صفة احلكم والتشريع لغري هللا تعاىل كقول الدميقراطيني‪:‬‬
‫(الشعب مصدر السلطات) ومنها السلطة التشريعية‪.‬‬
‫فهذا شرك يف االعتقاد ألهنم اعتقدوا شريكا هلل تعاىل يف التشريع واحلكم واألمر‬
‫والنهي والتحليل والتحرمي‪ ،‬وهو نقض للتوحيد العلمي االعتقادي‪.‬‬
‫ومن أطاع هذا التشريع أبن حتاكم له أو حكم به فقد أشرك ابهلل شركا عمليا‬
‫ألنه قَبِلَه وخضع وانقاد له وهذا معىن الطاعة ولذلك ُِمسّي‪ :‬شرك الطاعة‪.‬‬
‫وال يشرتط يف طاعته له أن يعتقد‪ :‬أن الشعب مصدر التشريع‪ ،‬حىت حيكم‬
‫حكمه به وعمله به كاف يف ذلك‪ ،‬ألنه انقياد وطاعة‬
‫عليه أنه مشرك‪ ،‬بل ُ‬
‫لغري تشريع هللا تعاىل وحكمه‪ ،‬فإن أضاف لطاعته له االعتقاد فهو مشرك من‬
‫انحية االعتقاد ومن انحية العمل‪.‬‬
‫وهذا كفعل أهل الكتاب مع األحبار والرهبان مما قصه هللا علينا يف كتابه‬
‫{ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬ ‫أهنم‪:‬‬
‫ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ‬
‫ﯰ } ( ‪. )1‬‬

‫(‪ )1‬سورة التوبة‪.11:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪62‬‬

‫فاختاذهم هلم أراباب هو بطاعتهم هلم يف حتليل ما حرم هللا أو حترمي ما أحل هللا‪،‬‬
‫وهو (التشريع) فكانوا مشركني مبجرد الطاعة واالتباع‪ ،‬ومل يَ ْذ ُكر أهنم أشركوا‬
‫ألهنم اعتقدوا صحة هذا التشريع من األحبار والرهبان‪.‬‬
‫مث هذا الشرك العملي يكفر به صاحبه ولو فعله يف حكم واحد من أحكام‬
‫هللا‪ ،‬فمن ب ّدل حكما من أحكام هللا كفر ولو اعتقد عند تبديله أن حكم هللا‬
‫املب َد ِل منه‪ ،‬فاملب ّدل متع ٍّد على حق من حقوق هللا تعاىل‬
‫أفضل من احلكم ْ‬
‫اخلاصة به وهو‪ :‬التحليل والتحرمي واألمر والنهي والتشريع‪ ،‬فإن ح َك َم بتبديله‬
‫كان مشركا شرك الطاعة‪ ،‬ألنه أطاع وخضع وانقاد لغري تشريع هللا تعاىل‪.‬‬
‫شكل عليه هنا طاعة من أَمر مبعصية‪ ،‬فإن ِ‬
‫اآلم َر هبا مل يعتقد أهنا حالل‬ ‫وال ي ِ‬
‫َ‬ ‫ُ‬
‫يطعه على أنه تشريع وحكم‪ ،‬أما إن‬‫فأمره ليس بتشريع وحكم‪ ،‬وال ُـمطيع له مل ْ‬‫ُ‬
‫اآلمر ابملعصية ِحلّها كان كافرا ابستحالله ال أمره‪ ،‬ألنه تشريع وتبديل‬
‫اعتقد ِ‬
‫حلكم هللا وكان ال طائع له يف هذا احلكم والتشريع مشركا‪.‬‬
‫{ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬ ‫ومثال هذا قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ} (‪. )1‬‬

‫فإن الشياطني تقول ألوليائهم أن املْيـتَةَ حالل ألن موهتا من هللا وأما ما ذحبتم‬
‫فأنتم من قتلتموها‪ ،‬وهذا تشريع‪ ،‬ولذلك كان من أطاعهم فيه مشركا‪ ،‬أما من‬
‫أمر مبعصية‪ ،‬وهو إمثٌ غريُ كفر‪ ،‬فإن‬
‫أمر غريه أبكل امليتة دون حتليلها‪ ،‬فهذا ٌ‬
‫غريه‪.‬‬
‫أطاعه اآلخر كان آمثا مثله‪ ،‬ألن كالمها مل يبدل حكم هللا أو يُ ّ‬

‫(‪ )1‬سورة األنعام‪.121:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪63‬‬

‫وكذلك فعل اليهود حيث جاءوا حلكم هللا تعاىل يف الزان فبدلوه حلكم آخر‬
‫وهو التحميم واجللد‪ ،‬فكان املب ّدل كافرا بتبديله‪ ،‬وكان احلاكم هبذا احلكم املبدَّل‬
‫واملتحاكم له كافرا‪ ،‬ألنه أطاع غري هللا يف‪ :‬التشريع والتحليل والتحرمي‪ ،‬وهلذا‬
‫ابملبدل دون حكم‬‫حكم هللا عليهم أبهنم هم الكافرون لتبديل حكم هللا واحلكم َّ‬
‫هللا‪ ،‬والصوراتن كفر عملي أكرب‪.‬‬
‫ويُنبَّه هنا أنه مل يُذكر يف تبديلهم وحكمهم به اعتقاد أن حكمهم أفضل من‬
‫حكم هللا الذي استبدلوه أو أهنم جحدوا حكم هللا مع تبديله‪ ،‬بل عند أتمل‬
‫ويقرون‬
‫احلوار بينهم وبني النيب ﷺ يظهر أهنم مل جيحدوا حكم هللا بل يعرفونه ّ‬
‫به وال ينكرونه‪ ،‬كما أجاب أحد أحبارهم النيب ﷺ عن حكم هللا يف التوراة‬
‫فبني له أنه ال رجم‪ ،‬ولو كان يرى حكمهم أفضل جلادل عنه ولو كان جيحد‬
‫ورده‪ ،‬وزاد هذا أتكيدا ِذ ْكره سبب تبديلهم وأنه‬
‫حكم هللا الذي عندهم ألنكره ّ‬
‫حماابة أصحاب اجلاه والقوة والشرف فيهم دون الضعفاء‪ ،‬مث اجتمعوا على‬
‫جعله حكما ملزما على اجلميع‪ ،‬فأين اجلحد واالستحالل فيما فعلوه‪ ،‬وأين‬
‫هي من حكم هللا عليهم ابلكفر األكرب وقد حكم هللا على عملهم‬
‫ال اعتقادهم؟!‬
‫ويُنبه أيضا أن هذان املثاالن فيمن ب ّدل حكما واحدا فقط وفيمن أطاعه فيه‪،‬‬
‫وكالمها عمل جوارح مل يذكر معه اعتقاد‪ ،‬فكيف مبن جعل قانوان آخر يضاهي‬
‫بتشريعاته وأحكامه حكم هللا وشرعه‪ ،‬فيكون القانون هو اآلمر والناهي وله‬
‫حق العقاب والثواب ومصدر التشريع فيه للشعب أو للدستور ال هلل تعاىل‪،‬‬
‫فهل يشك من عرف التوحيد أن هذا هو الكفر األكرب املستبني والشرك األكرب‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪64‬‬

‫اللعني الذي تواترت النصوص على حترميه وتكفري فاعله وعدم املغفرة له وخلوده‬
‫يف النار إن هو مات عليه‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪65‬‬

‫‪ ‬الشبهة الرابعة‪:‬‬
‫أن احلاكم بغري ما أنزل هللا من القوانني الوضعية أو األعراف اجلاهلية حنكم‬
‫ابلكفر على فعله دون عينه حىت تقام عليه احلجة‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن التفريق بني الفعل والفاعل واشرتاط قيام احلجة إمنا يقال يف النواقض‬
‫اخلفية اليت حتتمل اجلهل أو التأويل ودخول الشبهة على فاعلها‪ ،‬أما احلكم‬
‫بغري شريعة هللا كاحلكم ابلقوانني الوضعية أو األعراف اجلاهلية‪ ،‬فإهنا من نواقض‬
‫اإلسالم الظاهرة‪ ،‬اليت يك ُفر فيها الفاعل إذا كان مكلّفا خمتارا‪ ،‬وال يُعذر فيها‬
‫إال املكره إكراها ملجئا‪.‬‬
‫مقرر ومكرر ومؤكد يف‬ ‫فإ ّن وجوب احلكم مبا أنزل هللا والتحاكم لشرعه أصل ّ‬
‫القرآن كثريا وأبوجه خمتلفة وصيغ متنوعة‪:‬‬
‫‪ ‬منها األمر به‪.‬‬
‫‪ ‬أو النهي عن ضده‪.‬‬
‫‪ ‬أو نفي اإلميان عن احلاكم واملتحاكم لغري شريعة هللا‪.‬‬
‫‪ ‬أو بيان تفرد هللا تعاىل ابحلكم والتشريع‪.‬‬
‫‪ ‬أو إبطال الشرائع اجلاهلية‪.‬‬
‫فهذا أتكيد بعد أتكيد بياان ملقامه ومنزلته من التوحيد‪.‬‬
‫ومما جاء يف القرآن عن احلكم مبا أنزل هللا‪:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪66‬‬

‫قوله تعاىل‪{ :‬ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ‬


‫ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ } ( ‪. )1‬‬

‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫ﭟﭠﭡﭢﭣ ﭤﭥﭦﭧ ﭨﭩﭪ ﭫﭬ‬
‫ﭭ ﭮ ﭯ} (‪.)2‬‬

‫وقوله‪{ :‬ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ‬
‫ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ} (‪.)3‬‬

‫{ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫ﯴ ﯵ ﯶ } ( ‪. )4‬‬

‫وقوله‪{ :‬ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ‬


‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ‬
‫ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ‬
‫ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ‬
‫ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ‬
‫ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ‬
‫ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.48:‬‬


‫(‪ )2‬سورة النساء‪.04:‬‬
‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬
‫(‪ )4‬سورة النساء‪.144:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪67‬‬

‫ﯬﯭﯮﯯﯰﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛ‬
‫ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ‬
‫ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ‬
‫ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ‬
‫ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ‬
‫ﮪﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ‬
‫ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ‬
‫ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ‬
‫ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ} ( ‪. )1‬‬
‫{ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ} ( ‪. )2‬‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫{ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ } ( ‪. )3‬‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫{ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ } ( ‪. )4‬‬

‫وقوله تعاىل‪{ :‬ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ‬


‫ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} (‪. )5‬‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44-41:‬‬


‫(‪ )2‬سورة األنعام‪.44:‬‬
‫(‪ )1‬سورة األنعام‪.02:‬‬
‫(‪ )4‬سورة األنعام‪.114:‬‬
‫(‪ )4‬سورة الرعد‪.14:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪68‬‬

‫{ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ } ( ‪. )1‬‬

‫{ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ } ( ‪. )2‬‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬


‫{ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ } ( ‪. )3‬‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫{ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ‬
‫ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ‬
‫ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ} (‪. )4‬‬
‫{ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ} (‪. )5‬‬

‫{ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬


‫ﰇ ﰈ} (‪. )6‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬سورة يوسف‪.04:‬‬
‫(‪ )1‬سورة الكهف‪.20:‬‬
‫(‪ )4‬سورة النور‪.41-48:‬‬
‫(‪ )4‬سورة القصص‪.88:‬‬
‫(‪ )0‬سورة القصص‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪69‬‬

‫وقوله‪{ :‬ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬
‫ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ} (‪. )1‬‬

‫{ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬


‫ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ} (‪. )2‬‬

‫{ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ‬ ‫وقوله تعاىل‪:‬‬


‫ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ } ( ‪. )3‬‬

‫{ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ } ( ‪. )4‬‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫{ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ} (‪. )5‬‬ ‫وقوله‪:‬‬
‫فهل بعد هذا يزعم أحد أن احلكم بغري شريعة هللا أمر ميكن أن يـُجهل‬
‫كال وهللا‪ ،‬إمنا هو اإلعراض والتويل عن حكم هللا تعاىل‪.‬‬
‫تأول‪ّ ،‬‬
‫أو يُ ّ‬
‫‪ .2‬معىن قوهلم إقامة احلجة على احلاكم بغري شريعة هللا هو إفهامها له قبل‬
‫احلكم عليه‪ ،‬وهذا يعين أ ّن قراءة اآلايت السابقة عليه ال يكفي لقيام احلجة‬
‫عليه حىت يفهمها‪ ،‬ويلزم من قوهلم أ ّن هذه اآلايت قاصرة عن إقامة احلجة‬
‫وبيان احملجة هلذه املسألة ال عظيمة‪ ،‬وقد تقرر سابقا أن آايت احلكم مبا أنزل‬
‫هللا الدالة على وجوبه وكفر احلاكم ابلطاغوت كالقوانني‪ ،‬من أحكم احملكمات‬

‫(‪ )1‬سورة ص‪.20:‬‬


‫(‪ )2‬سورة غافر‪.12:‬‬
‫(‪ )1‬سورة الشورى‪.14:‬‬
‫(‪ )4‬سورة املمتحنة‪.14:‬‬
‫(‪ )4‬سورة التني‪.8:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪71‬‬

‫وأوضح الواضحات ومن املعلوم من الدين ابلضرورة‪ ،‬وليست من املتشابه الذي‬


‫اخلفي الذي حيتاج للبيان‪.‬‬
‫ُحيتاج لرده للمحكم حىت يفهم‪ ،‬أو من ّ‬
‫فهي من مسائل الدين الظاهرة اليت تقوم احلجة فيها ابلبالغ ال ابلفهم املقصود‬
‫{ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ } ( ‪. )1‬‬ ‫عندهم‪ ،‬كما قال تعاىل‪:‬‬
‫فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه حجة هللا تعاىل‪ ،‬وال عذر له إن حكم‬
‫ابلطاغوت مث ادعى أنه جاهل هبذه اآلايت أو عدم فهمها‪ ،‬فإن دعواه غري‬
‫مقبولة ألن اجلهل هبا ومبا دلت عليه غري متصور مع كثرهتا يف كتاب هللا تعاىل‪،‬‬
‫وكثري من املشركني قدميا وحديثا ي ّدعون عدم فهم آايت التوحيد والنهي عن‬
‫الشرك‪ ،‬ومل يكن جهلهم هلا أو سوء فهمهم عذرا هلم يف عدم تكفريهم بفعل‬
‫الشرك‪ ،‬ألن آايت التوحيد والنهي عن الشرك مما ال حيتمل اجلهل وال يقبل‬
‫التأويل‪ ،‬وهكذا آايت احلكم مبا أنزل هللا ألهنا من آايت التوحيد‪.‬‬
‫قال الشيخ حممد بن عبد الوهاب رمحه هللا(‪ )2‬يف جواب من احتج عليه هبذه‬
‫الشبهة يف الشرك األكرب‪:‬‬
‫ما ذكرمت من قول الشيخ‪ :‬كل من جحد كذا وكذا‪ ،‬وقامت عليه احلجة‪ ،‬وأنكم‬
‫شاكون يف هؤالء الطواغيت وأتباعهم‪ ،‬هل قامت عليهم احلجة؟‬
‫فهذا من العجب‪ ،‬كيف تشكون يف هذا وقد أوضحته لكم مرارا؟!‬

‫(‪ )1‬سورة األنعام‪.15:‬‬


‫(‪ )2‬الدرر السنية (‪.)51/14‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪71‬‬

‫فإن الذي مل تقم عليه احلجة‪ ،‬هو الذي حديث عهد ابإلسالم‪ ،‬والذي نشأ‬
‫ببادية بعيدة‪ ،‬أو يكون ذلك يف مسألة خفية‪ ،‬مثل الصرف والعطف‪ ،‬فال يكفر‬
‫حىت يعرف‪.‬‬
‫وأما أصول الدين اليت أوضحها هللا وأحكمها يف كتابه‪ ،‬فإن حجة هللا هو‬
‫القرآن‪ ،‬فمن بلغه القرآن فقد بلغته احلجة‪ ،‬ولكن أصل اإلشكال‪ ،‬أنكم مل‬
‫تفرقوا بني قيام احلجة‪ ،‬وبني فهم احلجة‪ ،‬فإن أكثر الكفار واملنافقني من‬
‫املسلمني‪ ،‬مل يفهموا حجة هللا مع قيامها عليهم‪ ،‬كما قال تعاىل‪{ :‬ﭑ ﭒ ﭓ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖ ﭗﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ}‪ ،‬وقيام احلجة‬
‫نوع‪ ،‬وبلوغها نوع‪ ،‬وقد قامت عليهم‪ ،‬وفهمهم إايها نوع آخر‪ ،‬وُكفرهم ببلوغها‬
‫إايهم‪ ،‬وإن مل يفهموها‪.‬‬
‫إن أشكل عليكم ذلك‪ ،‬فانظروا قوله ﷺ يف اخلوارج‪" :‬أينما لقيتموهم‬
‫فاقتلوهم"‪ ،‬وقوله‪" :‬شر قتلى حتت أدمي السماء"‪ ،‬مع كوهنم يف عصر الصحابة‪،‬‬
‫وحيقر اإلنسان عمل الصحابة معهم‪ ،‬ومع إمجاع الناس أن الذي أخرجهم من‬
‫الدين هو التشدد والغلو واالجتهاد؛ وهم يظنون أهنم يطيعون هللا‪ ،‬وقد بلغتهم‬
‫احلجة‪ ،‬ولكن مل يفهموها‪.‬‬
‫علي رضي هللا عنه الذين اعتقدوا فيه‪ ،‬وحتريقهم ابلنار‪ ،‬مع كوهنم‬
‫وكذلك قتل ّ‬
‫تالميذ الصحابة‪ ،‬ومع عبادهت م وصالهتم وصيامهم‪ ،‬وهم يظنون أهنم على حق‪.‬‬
‫وكذلك إمجاع السلف على تكفري غالة القدرية وغريهم‪ ،‬مع علمهم وشدة‬
‫عبادهتم‪ ،‬وكوهنم حيسبون أهنم حيسنون صنعا‪ ،‬ومل يتوقف أحد من السلف يف‬
‫تكفريهم ألجل كوهنم مل يفهموا‪ ،‬فإن هؤالء كلهم مل يفهموا‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪72‬‬

‫إذا علمتم ذلك‪ ،‬فإن هذا الذ ي أنتم فيه كفر‪ ،‬الناس يعبدون الطواغيت‪،‬‬
‫ويعادون دين اإلسالم‪ ،‬فيزعمون أنه ليس ردة لعلهم ما فهموا احلجة‪ ،‬كل هذا‬
‫بني‪ .‬اهـ‬
‫قال الشيخ أبو بطني رمحه هللا(‪:)1‬‬
‫فمن بلغته رسالة حممد ﷺ وبلغه القرآن‪ ،‬فقد قامت عليه احلجة‪ ،‬فال يعذر‬
‫يف عدم اإلميان ابهلل‪ ،‬ومالئكته‪ ،‬وكتبه‪ ،‬ورسله‪ ،‬واليوم اآلخر‪ ،‬فال عذر له بعد‬
‫ذلك ابجلهل‪.‬‬
‫وقد أخرب هللا سبحانه جبهل كثري من الكفار‪ ،‬مع تصرحيه بكفرهم‪ ،‬ووصف‬
‫النصارى ابجلهل‪ ،‬مع أنه ال يشك مسلم يف كفرهم‪ ،‬ونقطع أن أكثر اليهود‬
‫والنصارى اليوم جهال مقلدون‪ ،‬فنعتقد كفرهم‪ ،‬وكفر من شك يف كفرهم‪.‬‬
‫وقد دل القرآن على أن الشك يف أصول الدين كفر‪ ،‬والشك هو الرتدد بني‬
‫شيئني‪ ،‬كالذي ال جيزم بصدق الرسول ﷺ وال كذبه‪ ،‬وال جيزم بوقوع البعث‬
‫وال عدم وقوعه‪ ،‬وحنو ذلك‪ ،‬كالذي ال يعتقد وجوب الصالة وال عدم وجوهبا‪،‬‬
‫أو ال يعتقد حترمي الزىن وال عدم حترميه؛ وهذا كفر ذإمجاع العلماء‪ ،‬وال عذر ملن‬
‫كان حاله هكذا‪ ،‬بكونه مل يفهم حجج هللا وبيّناته‪ ،‬ألنه ال عذر له بعد‬
‫بلوغها‪ ،‬وإن مل يفهمها‪.‬‬
‫وقد أخرب هللا تعاىل عن الكفار أهنم مل يفهموا‪ ،‬فقال‪{ :‬ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ‬
‫{ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ‬ ‫ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ}‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ﰆ ﰇ ﰈ }‪.‬‬

‫(‪ )1‬الدرر السنية (‪.)104/14‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪73‬‬

‫فبني هللا سبحانه أهنم مل يفقهوا‪ ،‬فلم يعذرهم لكوهنم مل يفهموا‪ ،‬بل صرح القرآن‬
‫{ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬ ‫بكفر هذا اجلنس من الكفار‪ ،‬كما يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ‬
‫ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ }‪ .‬اهـ‬
‫وقال الشيخ محد بن انصر بن معمر رمحه هللا(‪:)1‬‬
‫وكل من بلغه القرآن فليس مبعذور؛ فإن األصول الكبار‪ ،‬اليت هي أصل دين‬
‫اإل سالم‪ ،‬قد بينها هللا تعاىل يف كتابه‪ ،‬وأوضحها وأقام هبا حجته على عباده‪،‬‬
‫وليس املراد بقيام احلجة أن يفهمها اإلنسان فهما جليا‪ ،‬كما يفهمها من هداه‬
‫هللا ووفقه‪ ،‬وانقاد ألمره‪ ،‬فإن الكفار قد قامت عليهم احلجة من هللا تعاىل‪ ،‬مع‬
‫{ﯘ ﯙ ﯚ‬ ‫إخباره أبنه جعل على قلوهبم أكنة أن يفقهوا كالمه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫{ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ‬ ‫ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ}‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ }‪ ،‬وقال تعاىل‪{ :‬ﯿ ﰀ‬
‫{ﮓ ﮔ‬ ‫ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ}‪ ،‬وقال تعاىل‪:‬‬
‫ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ }‪.‬‬
‫واآلايت يف هذا املعىن كثرية‪ ،‬خيرب سبحانه أهنم مل يفهموا القرآن ومل يفقهوه‪،‬‬
‫وأنه عاقبهم اب ألكنة على قلوهبم‪ ،‬والوقر يف آذاهنم‪ ،‬وأنه ختم على قلوهبم‬
‫وأمساعهم وأبصارهم‪ ،‬فلم يعذرهم مع هذا كله‪ ،‬بل حكم بكفرهم وأمر بقتاهلم‪،‬‬
‫وقاتلهم رسول هللا ﷺ وحكم بكفرهم‪ ،‬فهذا يبني لك أن بلوغ احلجة نوع‪،‬‬
‫وفهمها نوع آخر‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬الدرر السنية (‪.)41/11‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪74‬‬

‫وقال الشيخ إسحاق بن عبد الرمحن رمحه هللا(‪ )1‬يف جواب من يشرتط إقامة‬
‫احلجة على فاعل الشرك األكرب‪:‬‬
‫ومسألتنا هذه وهي عبادة هللا وحده ال شريك له والرباءة من عبادة ما سواه‪،‬‬
‫وأن من عبد مع هللا غريه فقد أشرك الشرك األكرب الذي ينقل عن امللة‪ ،‬وهي‬
‫أصل األصول وهبا أرسل هللا الرسل وأنزل الكتب وقامت على الناس احلجة‬
‫ابلرسول وابلقرآن‪ ،‬وهكذا جتد اجلواب من أئمة الدين يف ذلك األصل عند‬
‫تكفري من أشرك ابهلل فإنه يستتاب فإن اتب وإال قتل ال يذكرون التعريف يف‬
‫مسائل األصول‪ ،‬إمنا يذكرون التعريف يف املسائل اخلفية اليت قد خيفي دليلها‬
‫على بعض املسلمني كمسائل انزع هبا بعض أهل البدع كالقدرية واملرجئة أو يف‬
‫مسألة خفية‪ :‬كالصرف والعطف‪ .‬اهـ‬
‫وما قاله عن شرك العبادة يدخل فيه شرك احلكم ألنه نوع منه‪ ،‬وقد سبق بيان‬
‫هذا يف رد الشبهة السابقة فلريجع له لزاما من أشكل عليه هذا‪.‬‬
‫وقال الشيوخ عبد هللا وإبراهيم ابنا عبد اللطيف آل الشيخ‪ ،‬وسليمان بن‬
‫سحمان رمحهم هللا(‪ )2‬يف جواب عمن يقول ابلتفريق بني النوع والعني يف املسائل‬
‫الظاهرة مما وقع فيه بعض اجلهمية وعباد القبور يف زمنهم‪:‬‬
‫أما قوله نقول أبن القول كفر‪ ،‬وال حنكم بكفر القائل‪ ،‬فإطالق هذا جهل‬
‫صرف‪ ،‬ألن هذه العبارة ال تنطبق إال على املعني‪ ،‬ومسألة تكفري املعني مسألة‬
‫معروفة‪ ،‬إذا قال قوال يكون القول به كفرا‪ ،‬فيقال من قال هبذا القول فهو‬

‫(‪ )1‬رسالة حكم تكفري املعني ص ‪ ، 141‬طبعت ضمن جمموع (عقيدة املوحدين والرد على الضالل‬
‫واملبتدعني)‪.‬‬
‫(‪ )2‬الدرر السنية (‪.)412/14‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪75‬‬

‫كافر‪ ،‬لكن الشخص املعني‪ ،‬إذا قال ذلك ال حيكم بكفره‪ ،‬حىت تقوم عليه‬
‫احلجة اليت يكفر اتركها‪.‬‬
‫وهذا يف املسائل اخلفية‪ ،‬اليت قد خيفى دليلها على بعض الناس‪ ،‬كما يف مسائل‬
‫القدر واإلرجاء وحنو ذلك مما قاله أهل األهواء‪ ،‬فإن بعض أقواهلم تتضمن أمورا‬
‫كفرية‪ ،‬من رد أدلة الكتاب والسنة املتواترة‪ ،‬فيكون القول املتضمن لرد بعض‬
‫النصوص كفرا‪ ،‬وال حيكم على قائله ابلكفر‪ ،‬الحتمال وجود مانع كاجلهل‪،‬‬
‫وعدم العلم بنقض النص‪ ،‬أو بداللته‪ ،‬فإن الشرائع ال تلزم إال بعد بلوغها‪،‬‬
‫ذكر ذلك شيخ اإلسالم ابن تيمية‪ ،‬قدس هللا روحه يف كثري من كتبه‪.‬‬
‫وذكر أيضا تكفري أانس من أعيان املتكلمني‪ ،‬بعد أن قرر هذه املسألة‪ ،‬قال‪:‬‬
‫وهذا إذا كان يف املسائل اخلفية‪ ،‬فقد يقال بعدم التكفري‪ ،‬وأما ما يقع منهم‬
‫يف املسائل الظاهرة اجللية‪ ،‬أو ما يعلم من الدين ابلضرورة‪ ،‬فهذا ال يتوقف يف‬
‫كفر قائله‪ ،‬وال جتعل هذه الكلمة عكازة‪ ،‬تدفع هبا يف حنر من كفر البلدة‬
‫املمتنعة عن توحيد العبادة والصفات‪ ،‬بعد بلوغ احلجة ووضوح احملجة‪.‬‬
‫وأما قوله‪ :‬وهؤالء ما فهموا احلجة‪ ،‬فهذا مما يدل على جهله‪ ،‬وأنه مل يفرق بني‬
‫فهم احلجة‪ ،‬وبلوغ احلجة‪ ،‬ففهمها نوع وبلوغها نوع آخر‪ ،‬فقد تقوم احلجة‬
‫على من مل يفهمها‪ .‬اهـ‬
‫ردا على من يشرتط إقامة احلجة‬ ‫وقال الشيخ سليمان بن سحمان رمحه هللا(‪ًّ )1‬‬
‫يف املسائل الظاهرة الحتمال جهل الفاعل هبا‪:‬‬

‫(‪ )1‬كشف األوهام وااللتباس عن تشبيه بعض األغبياء من الناس ص ‪.114‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪76‬‬

‫وهؤالء األغبياء أمجلوا القضية وجعلوا كل جهل عذرا ومل يفصلوا‪ ،‬وجعلوا‬
‫املسائل الظاهرة اجللية وما يعلم من الدين ابلضرورة كاملسائل اخلفية اليت قد‬
‫خيفى دليلها على بعض الناس‪ ،‬وكذلك من كان بني أظهر املسلمني كمن نشأ‬
‫ببادية بعيدة أو كان حديث عهد ابإلسالم فضلوا وأضلوا كثريا وضلوا عن‬
‫سواء السبيل‪ .‬اهـ‬
‫وهبذا يتقرر أن احلاكم ابلقوانني الوضعية أو األعراف اجلاهلية أو املتحاكم هلا‬
‫يكفر بفعله وال يشرتط إقامة احلجة عليه ألهنا قائمة ابلفعل‪ ،‬لكون ما اقرتفه‬
‫من النواقض الظاهرة اجللية اليت ال يعذر فيها ابجلهل والتأويل‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪77‬‬

‫‪ ‬الشبهة اخلامسة‪:‬‬
‫أن الكفر يف احلكم ابلقوانني الوضعية ال يكون كفرا إال بتبديل الشريعة‬
‫كامال‪ ،‬أو احلكم ابلقانون كله‪.‬‬
‫اجلواب عليها‪:‬‬
‫‪ .1‬أن اآلايت النازلة يف احلكم بغري ما أنزل هللا نزلت فيمن حصل منه تبديل‬
‫احلكم مبا ب ّدله ولو مرة واحدة‪ ،‬ومل تشرتط التكرار حىت يكون‬
‫املنزل و َ‬‫الشرع ّ‬
‫كفرا‪.‬‬
‫{ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ‬ ‫فمن ذلك قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮭ } ( ‪. )1‬‬
‫فإهنا نزلت يف اليهود ملا ب ّدلوا حكما واحدا وهو الرجم للزاين‪ ،‬مث اجتمعوا على‬
‫تغيريه إىل اجللد والرجم‪ ،‬كما يف صحيح مسلم(‪ )2‬من حديث الرباء بن عازب‬
‫حممما جملودا‪ ،‬فدعاهم ﷺ‪،‬‬ ‫رضي هللا عنه قال‪ُ :‬مَّر على النيب ﷺ بيهودي ّ‬
‫فقال‪" :‬هكذا جتدون حد الزاين يف كتابكم؟‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم‪ ،‬فدعا رجال من‬
‫علمائهم‪ ،‬فقال‪" :‬أنشدك ابهلل الذي أنزل التوراة على موسى‪ ،‬أهكذا جتدون‬
‫حد الزاين يف كتابكم"‪ ،‬قال‪ :‬ال‪ ،‬ولوال أنك نشدتين هبذا مل أخربك‪ ،‬جنده الرجم‪،‬‬
‫ولكنه كثر يف أشرافنا‪ ،‬فكنا إذا أخذان الشريف تركناه‪ ،‬وإذا أخذان الضعيف‬
‫أقمنا عليه احلد‪ ،‬قلنا‪ :‬تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع‪،‬‬
‫فجعلنا التحميم واجللد مكان الرجم‪ ،‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬صحيح مسلم (‪ 1124/1‬رقم ‪.)1444‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪78‬‬

‫وسلم‪" :‬اللهم إين أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"‪ ،‬فأمر به فرجم‪ ،‬فأنزل هللا عز‬
‫وجل‪{ :‬ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} إىل قوله‪{ :‬‬
‫ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ } يقول‪ :‬ائتوا حممدا ﷺ‪ ،‬فإن أمركم ابلتحميم واجللد‬
‫فخذوه‪ ،‬وإن أفتاكم ابلرجم فاحذروا‪ ،‬فأنزل هللا تعاىل ‪ {:‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬
‫ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ}{ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ‬
‫ﯯ}{ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ} يف الكفار كلها‪.‬‬
‫ويف الصحيحني(‪ )1‬عن ابن عمر رضي هللا عنهما‪ :‬أن اليهود جاءوا إىل رسول‬
‫هللا ﷺ‪ ،‬فذكروا له أن رجال منهم وامرأة زنيا‪ ،‬فقال هلم رسول هللا ﷺ‪ :‬ما جتدون‬
‫يف التوراة يف شأن الرجم؟ فقالوا‪ :‬نفضحهم وجيلدون‪ ،‬فقال عبد هللا بن سالم‪:‬‬
‫كذبتم إن فيها الرجم فأتوا ابلتوراة فنشروها‪ ،‬فوضع أحدهم يده على آية الرجم‪،‬‬
‫فقرأ ما قبلها وما بعدها‪ ،‬فقال له عبد هللا بن سالم‪ :‬ارفع يدك‪ ،‬فرفع يده فإذا‬
‫فيها آية الرجم‪ ،‬فقالوا‪ :‬صدق اي حممد‪ ،‬فيها آية الرجم‪ ،‬فأمر هبما رسول هللا‬
‫صلى هللا عليه وسلم فرمجا‪ ،‬قال عبد هللا‪ :‬فرأيت الرجل جينأ على املرأة يقيها‬
‫احلجارة‪.‬‬
‫ويف لفظ للبخاري(‪ :)2‬فقال هلم‪« :‬كيف تفعلون مبن زىن منكم؟" قالوا‪ :‬حنممهما‬
‫ونضرهبما‪ ،‬فقال‪« :‬ال جتدون يف التوراة الرجم؟" فقالوا‪ :‬ال جند فيها شيئا‪.‬‬

‫(‪ )1‬صحيح البخاري (‪ 414/2‬رقم ‪ ،)1014‬صحيح مسلم (‪ 1120/1‬رقم ‪.)1055‬‬


‫(‪ )2‬صحيح البخاري (‪ 214/1‬رقم ‪.)4440‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪79‬‬

‫ويف لفظ له أيضا(‪ :)1‬فقال هلم‪« :‬ما جتدون يف كتابكم" قالوا‪ :‬إن أحباران أحدثوا‬
‫حتميم الوجه والتجبيه‪.‬‬
‫ويف لفظ له أيضا(‪ : )2‬فقالوا لرجل ممن يرضون‪ :‬اي أعور‪ ،‬اقرأ فقرأ حىت انتهى إىل‬
‫موضع منها فوضع يده عليه‪ ،‬قال‪« :‬ارفع يدك»‪ ،‬فرفع يده فإذا فيه آية الرجم‬
‫تلوح‪ ،‬فقال‪ :‬اي حممد‪ ،‬إن عليهما الرجم‪ ،‬ولكنا نتكامته بيننا‪.‬‬
‫ويستفاد من جمموع األلفاظ وكلها متقاربة مبعىن واحد‪:‬‬
‫‪ ‬أن ما حصل منهم كان يف تبديل حلكم واحد من أحكام هللا تعاىل‪.‬‬
‫‪ ‬أن ما حصل منهم هو (ترك حلكم هللا تعمدا) مع (االجتماع على كتمه‬
‫وإخفائه) مث (تبديل حكم هللا)‪ ،‬فحكم هللا سبحانه عليهم ابلكفر بسبب‬
‫األفعال‪ ،‬وأكد احلكم أبكثر من مؤكد بقوله‪:‬‬
‫(فأولئك هم الكافرون)‬
‫فإن أولئك مبتدأ والكافرون خرب وكالمها معرفة‪ ،‬وتعريف طريف اجلملة من أعلى‬
‫صيغ احلصر‪ ،‬مث زاد احلصر والتأكيد بضمري الفصل الذي يدل على قصر ما‬
‫حكم به يف اخلرب على املبتدأ‪ ،‬كما قال األخضري يف اجلوهر املكنون‪:‬‬
‫ـويف(‪ُ )3‬ه ـ ـ َو امل ـ ـه ـ ـت ـ ـ ــدي‬
‫َع ـ ـل ـ ـي ـ ـ ــه ك"الص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ُّ‬ ‫امل ْسنَ ِد‬ ‫صَر‬
‫قَ ْ‬ ‫فيد‬
‫يُ ُ‬ ‫صلُه‬
‫َوفَ ْ‬
‫ُ‬
‫أي فصل املسند إليه وهو املبتدأ عن املسند وهو اخلرب بضمري مما يفيد احلصر‬
‫والقصر‪ ،‬ف كأنه قال فأولئك اليهود الذين بدلوا حكم هللا وحكموا بغريه هم‬

‫(‪ )1‬صحيح البخاري (‪ 244/4‬رقم ‪.)0815‬‬


‫(‪ )2‬صحيح البخاري (‪ 414/4‬رقم ‪.)4441‬‬
‫(‪ )1‬الصواب أن يقول (والسين هو املهتدي)‪ ،‬فالصوفية فرقة مبتدعة عندها شركيات‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪81‬‬

‫الكافرون املستحقون لصفة الكفر األكرب دون غريهم‪ ،‬وهذا من أكرب الدالئل‬
‫أن الكفر يف اآلية األصل فيه الكفر األكرب على الصحيح‪.‬‬
‫‪ ‬أن أحبارهم هم من بدلوا حكم هللا فاتبعهم عامتهم عليه كما قال (إن‬
‫أحباران أح دثوا) أي استبدلوا حكم هللا تعاىل حبكم حمدث منهم‪.‬‬
‫وقد روي عن ابن عباس رضي هللا عنهما سبب آخر يف نزوهلا‪ ،‬وأهنا نزلت يف‬
‫تبديل اليهود حلكم هللا يف القصاص يف القتل كما أخرجه أمحد والطرباين‪ :‬قال‪:‬‬
‫‪ {:‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ}{‬ ‫إن هللا عز وجل أنزل‪:‬‬
‫ﯭ ﯮ ﯯ}{ ﭻ ﭼ ﭽ} أنزهلا هللا يف الطائفتني من‬
‫اليهود‪ ،‬وكانت إحدامها قد قهرت األخرى يف اجلاهلية‪ ،‬حىت ارتضوا واصطلحوا‬
‫وسقا‪ ،‬وكل قتيل قتلته‬
‫على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة‪ ،‬فديته مخسون َ‬
‫الذليلة من العزيزة‪ ،‬فديته مائة وسق‪ ،‬فكانوا على ذلك حىت قدم النيب ﷺ‬
‫املدينة‪ ،‬وذلّت الطائفتان كلتامها ملقدم رسول هللا ﷺ‪ ،‬ورسول هللا ﷺ يومئذ‬
‫مل يظهر‪ ،‬ومل ي ِ‬
‫وط ْئـ ُه َما عليه‪ ،‬وهو يف الصلح‪ ،‬فقتلت الذليلة من العزيزة قتيال‪،‬‬‫ُ‬
‫فأرسلت العزيزة إىل الذليلة‪ :‬أن ابعثوا إلينا مبائة وسق‪ ،‬فقالت الذليلة‪ :‬وهل‬
‫كان هذا يف حيني قط دينهما واحد‪ ،‬ونسبهما واحد‪ ،‬وبلدمها واحد‪ ،‬دية‬
‫وفرقا منكم‪،‬‬
‫بعضهم نصف دية بعض؟ إان إمنا أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا‪َ ،‬‬
‫فأما إذ قدم حممد فال نعطيكم ذلك‪ ،‬فكادت احلرب هتيج بينهما‪ ،‬مث ارتضوا‬
‫على أن جيعلوا رسول هللا ﷺ بينهم‪ ،‬مث ذكرت العزيزة‪ ،‬فقالت‪ :‬وهللا ما حممد‬
‫مبعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم‪ ،‬ولقد صدقوا‪ ،‬ما أعطوان هذا إال‬
‫فد ُّسوا إىل حممد من خيرب لكم رأيه‪ :‬إن أعطاكم ما تريدون‬
‫ضيما منا‪ ،‬وقهرا هلم‪ُ ،‬‬
‫حكمتموه‪ ،‬وإن مل يعطكم حذرمت‪ ،‬فلم حتكموه‪ ،‬فدسوا إىل رسول هللا صلى‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪81‬‬

‫هللا عليه وسلم انسا من املنافقني ليخربوا هلم رأي رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪ ،‬فلما جاء رسول هللا ﷺ‪ ،‬أخرب هللا رسوله ﷺ أبمرهم كله وما أرادوا‪،‬‬
‫فأنزل هللا عز وجل‪" :‬اي أيها الرسول ال حيزنك الذين يسارعون يف الكفر من‬
‫الذين قالوا آمنا" إىل قوله‪" :‬ومن مل حيكم مبا أنزل هللا فأولئك هم الفاسقون" مث‬
‫قال فيهما‪ :‬وهللا نزلت‪ ،‬وإايمها عىن هللا عز وجل‪.‬‬
‫لكن يف إسناده عبد الرمحن بن أ يب الزاند متكلم فيه من جهة حفظه‪.‬‬
‫وحاصل ما فعلوه أهنم بدلوا حكم القصاص يف القتل إىل الدية مث ظلَم القوي‬
‫الذليل فيها‪ ،‬فح كم هللا عليهم ابلكفر لتبديلهم هذا احلكم‪ ،‬وهذا إن‬‫َ‬ ‫العزيز‬
‫صح أهنا نزلت يف هذه الصورة وإال فاملشهور أهنا نزلت يف تبديل حد الزان كما‬
‫وجوز أيضا تعدد سبب النزول خلرب‬‫رجحه ابن كثري يف تفسريه‪ّ ،‬‬ ‫سبق‪ ،‬وهو ما ّ‬
‫ابن عباس هذا فقال(‪ : )1‬وقد يكون اجتمع هذان السببان يف وقت واحد‪،‬‬
‫{ﮮ‬ ‫ف نزلت هذه اآلايت يف ذلك كله‪ ،‬وهللا أعلم‪ ،‬وهلذا قال بعد ذلك‪:‬‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ} إىل آخرها‪ ،‬وهذا يقوي أن‬
‫سبب النزول قضية القصاص‪ ،‬وهللا سبحانه وتعاىل أعلم‪ .‬اهـ‬
‫فيؤخذ من هذا كله‪:‬‬
‫‪ ‬أن تبديل حكم واحد من أحكام هللا كفر أكرب‪.‬‬
‫‪ ‬وأن طاعة املبدل هلذا احلكم والتحاكم له واالحتكم إليه عند النزاع كفر‬
‫أكرب‪.‬‬

‫(‪ )1‬تفسري ابن كثري (‪.)225/4‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪82‬‬

‫سن قانوان واحدا دون حكم هللا كفر‪ ،‬وقول من قال ال بد أن يرتك حكم‬ ‫فمن ّ‬
‫هللا كله أو يبدله كله قول ضعيف مردود‪ ،‬وقد ضعّف ابن القيم قول من محل‬
‫الكفر يف اآلية على هذا املعىن حيث قال(‪ :)1‬ومنهم من أتوهلا على ترك احلكم‬
‫جبميع ما أنزل هللا‪ ،‬قال‪ :‬ويدخل يف ذلك احلكم ابلتوحيد واإلسالم وهذا أتويل‬
‫عبد العزيز الكناين وهو أيضا بعيد إذ الوعيد على نفي احلكم ابملنزل وهو‬
‫يتناول تعطيل احلكم جبميعه وببعضه‪ .‬اهـ‬
‫هذا مع العلم أن احلاصل اليوم ليس تبديال حلكم واحد بل هو تبديل لكامل‬
‫املشرعني هلذا القانون واحلاكمني به‬
‫الشريعة وجعل للقانون مكاهنا‪ ،‬فإن ّ‬
‫داخلون يف هذه اآلية دخوال ّأوليّا‪ ،‬ألن فعلهم أشد كفرا مما فعله اليهود الذين‬
‫نزلت فيهم اآلية‪.‬‬
‫ومن اآلايت النازلة يف هذا أيضا قوله تعاىل‪{ :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬
‫ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬
‫ﮕ ﮖ } ( ‪. )2‬‬
‫فإهنا نزلت فيمن أطاع املشركني يف حتليل امليتة احملرمة‪ ،‬فجعل طاعة هذا املب ّدل‬
‫حلكم هللا شركا‪ ،‬ألن التبديل كفر من ابب أوىل‪.‬‬
‫قال ابن كثري رمحه هللا(‪ : )3‬قال السدي يف تفسري هذه اآلية‪ :‬إن املشركني قالوا‬
‫للمؤمنني‪ ،‬كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة هللا‪ ،‬وما ذبح هللا فال أتكلونه‪،‬‬

‫(‪ )1‬مدارج السالكني‬


‫(‪ )2‬سورة األنعام‪.121:‬‬
‫(‪ )1‬تفسري ابن كثري (‪.)148/0‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪83‬‬

‫وما ذحبتم أنتم أكلتموه؟ فقال هللا‪" :‬وإن أطعتموهم" فأكلتم امليتة "إنكم‬
‫ملشركون" وهكذا قاله جماهد‪ ،‬والضحاك‪ ،‬وغري واحد من علماء السلف‪ ،‬رمحهم‬
‫هللا‪.‬‬
‫وقوله تعاىل‪" :‬وإن أطعتموهم إنكم ملشركون" أي حيث عدلتم عن أمر هللا لكم‬
‫وشرعه إىل قول غريه‪ ،‬فقدمتم عليه غريه فهذا هو الشرك‪ .‬اهـ‬
‫قلت‪ :‬أتمل قول ابن كثري (حيث عدلتم عن أمر هللا لكم ‪ )...‬مل يقيده ابعتقاد‬
‫القلب من استحالل أو جحد وحنوه مما يقيّد به املرجئة حكم التبديل‪ ،‬ألن هللا‬
‫حكم ابلشرك مبجرد الطاعة ملن أحل احلرام‪ ،‬فهذا هو مناط احلكم وزايدة أمر‬
‫آخر على املناط بال دليل أمر مردود‪.‬‬
‫فسر ابن جرير الطربي اآلية فقال(‪ :)1‬وأما قوله‪" :‬إنكم ملشركون" يعين‪:‬‬ ‫وهكذا ّ‬
‫إنكم إ ًذا مثلهم‪ ،‬إذ كان هؤالء أيكلون امليتة استحالال‪ ،‬فإذا أنتم أكلتموها‬
‫كذلك‪ ،‬فقد صرمت مثلهم مشركني‪ .‬اهـ‬
‫أي إذا أكلتموها طاعة هلم يف استحالهلم هلا فهذا هو الشرك‪ ،‬وإن كان هذا‬
‫استحل حمرما واحدا وب ّدله‪ ،‬فمن ابب أوىل من ب ّدل الشريعة كلها‬ ‫ّ‬ ‫فيمن‬
‫أو غالبها‪ ،‬وأحل احلرام اجملمع عليه وحرم احلالل اجملمع عليه‪ ،‬وكذلك من‬
‫أطاعهم يف تبديلهم هذا وحكم به أو حتاكم إليه‪.‬‬
‫قال الزجاج رمحه هللا(‪ : )2‬وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم هللا أو حرم‬
‫ما أحل هللا فهو مشرك‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)411/5‬‬


‫(‪ )2‬تفسري البغوي (‪.)184/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪84‬‬

‫وقال القرطيب رمحه هللا(‪ : )1‬فدلت اآلية على أن من استحل شيئا مما حرم هللا‬
‫تعاىل صار به مشركا‪ ،‬وقد حرم هللا سبحانه امليتة نصا‪ ،‬فإذا قبل حتليلها من‬
‫غريه فقد أشرك‪ .‬اهـ تفسري القرطيب‬
‫أتمل قول القرطيب (فإذا قبِل حتليلها عن غريه) أي قبِل حكما من مصدر‬
‫تشريع غري شريعة هللا تعاىل كان مشركا شرك الطاعة‪.‬‬
‫ولذلك قال ابن عادل احلنبلي رمحه هللا(‪ :)2‬وإن أطعتموهم يف استحالل امليتة‪،‬‬
‫إنكم ملشركون‪ ،‬وإمنا مسي مشركا‪ ،‬ألنه أثبت حاكما سوى هللا‪ ،‬وهذا هو‬
‫الشرك‪ .‬اهـ اللباب يف علوم الكتاب‬
‫وقال األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪ :)3‬ومن هدي القرآن لليت هي أقوم بيانه أنه‬
‫كل من اتبع تشريعا غري التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم حممد بن عبد هللا‬
‫صلوات هللا وسالمه عليه‪ ،‬فاتباعه لذلك التشريع املخالف كفر بواح‪ ،‬خمرج عن‬
‫امللة اإلسالمية‪ ،‬وملا قال الكفار للنيب ﷺ‪ :‬الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال‬
‫هلم‪« :‬هللا قتلها» فقالوا له‪ :‬ما ذحبتم أبيديكم حالل‪ ،‬وما ذحبه هللا بيده الكرمية‬
‫{ﮀ‬ ‫تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من هللا؟ أنزل هللا فيهم قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ‬
‫ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ} وح ْذف الفاء من قوله‪( :‬إنكم ملشركون)‬
‫قسم حمذوف‪ ،‬فهو قسم من هللا جل وعال أقسم به على أن من اتبع‬
‫يدل على َ‬

‫(‪ )1‬تفسري القرطيب (‪.)14/5‬‬


‫(‪ )2‬تفسري اللباب يف علوم الكتاب البن عادل احلنبلي (‪.)444/8‬‬
‫(‪ )1‬أضواء البيان (‪ )422/1‬باختصار‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪85‬‬

‫الشيطان يف حتليل امليتة أنه مشرك‪ ،‬وهذا الشرك خمرج عن امللة ذإمجاع املسلمني‪،‬‬
‫آدم أ ْن ال تَـ ْعبُ ُدوا‬
‫وسيوبخ هللا مرتكبه يوم القيامة بقوله‪" :‬أمل أ َْع َه ْد إلَْي ُك ْم اي بين َ‬
‫ني " ألن طاعته يف تشريعه املخالف للوحي هي‬ ‫الشَّيطَ ِ‬
‫ان إنَّهُ لكم َع ُد ٌّو ُمبِ ٌ‬ ‫ْ‬
‫عبادته‪ .‬اهـ‬
‫وهذا كمثل من جيعل الدستور حكما ومصدرا للقوانني والتشريعات عن طريق‬
‫استفتاء الناس عليه‪ ،‬فيكون الدستور حكما بينهما ومرجعا هلم وأصل نشوئه‬
‫من (حكم الشعب) ال (حكم هللا تعاىل)‪ ،‬فمن قبِل تشريعاهتم وقوانينهم فهو‬
‫مشرك‪ ،‬ألن معىن القبول هنا هو الطاعة الظاهرة‪.‬‬
‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ومن اآلايت أيضا قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ‬
‫ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ } ( ‪. )1‬‬
‫وأكثر أقوال املفسرين أن سبب نزوهلا كان يف قضية واحدة‪ ،‬وهي أن رجال من‬
‫املسلمني دعا رجال من اليهود للتحاكم حلكم الطاغوت قيل هو أحكام‬
‫ختل األخبار اليت روت سبب النزول‬
‫اجلاهلية وقيل هو كعب بن األشرف‪ ،‬ومل ُ‬
‫من ضعف‪.‬‬
‫قال ابن كثري رمحه هللا(‪ :)2‬هذا إنكار من هللا‪ ،‬عز وجل‪ ،‬على من يدعي اإلميان‬
‫مبا أنزل هللا على رسوله وعلى األنبياء األقدمني‪ ،‬وهو مع ذلك يريد التحاكم‬
‫يف فصل اخلصومات إىل غري كتاب هللا وسنة رسوله‪ ،‬كما ذكر يف سبب نزول‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري ابن كثري (‪.)118/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪86‬‬

‫هذه اآلية‪( :‬أهنا يف رجل من األنصار ورجل من اليهود ختاصما‪ ،‬فجعل‬


‫اليهودي يقول‪ :‬بيين وبينك حممد‪ .‬وذاك يقول‪ :‬بيين وبينك كعب بن‬
‫األشرف)‪ ،‬وقيل‪ :‬يف مجاعة من املنافقني‪ ،‬ممن أظهروا اإلسالم‪ ،‬أرادوا أن‬
‫يتحاكموا إىل ح كام اجلاهلية‪ ،‬وقيل غري ذلك‪ ،‬واآلية أعم من ذلك كله‪ ،‬فإهنا‬
‫ذامة ملن عدل عن الكتاب والسنة‪ ،‬وحتاكموا إىل ما سوامها من الباطل‪ ،‬وهو‬‫ّ‬
‫املراد ابلطاغوت هاهنا‪ .‬اهـ‬
‫{ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ‬ ‫ومن اآلايت أيضا قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ‬
‫ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ } ( ‪. )1‬‬
‫فإن املشركني بدلوا حكم هللا تعاىل يف األشهر احلرم‪ ،‬رجب وذي القعدة وذي‬
‫فغريوه‬
‫احلجة واحملرم‪ ،‬وهذا احلكم مما بقي فيهم من ملة إبراهيم عليه السالم‪ّ ،‬‬
‫وحيرمون صفر‪ ،‬وجيعلونه على ما هو‬
‫بتأخري احملرم إىل صفر عاما‪ ،‬فيحلّون احملرم ّ‬
‫حرمه هللا منها أي ما جعله من األشهر األربعة احلرم‪،‬‬‫عليه عاماً‪ ،‬ليوافقوا ما ّ‬
‫فجعل هللا هذا التبديل حلكمه زايدة يف الكفر على كفرهم‪ ،‬فيؤخذ منه أن‬
‫تبديل حكم واحد من أحكام هللا واحلكم به كفر بذاته‪.‬‬
‫قال ابن إسحاق رمحه هللا(‪ : )2‬وكان أول من نسأ الشهور على العرب‪ ،‬فأحلت‬
‫منها ما أحل‪ ،‬وحرمت منها ما حرم ال َقلَ َّمس وهو‪ :‬حذيفة بن عبد بن فقيم بن‬
‫عدي بن عامر بن ثعلبة بن احلارث بن مالك بن كنانة بن خزمية‪ ،‬مث قام بعده‬

‫(‪ )1‬سورة التوبة‪.14:‬‬


‫(‪ )2‬السرية النبوية البن هشام (‪.)45/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪87‬‬

‫على ذلك ابنه عباد بن حذيفة‪ ،‬مث قام بعد عباد‪ :‬قَـلَ ُع بن عباد‪ ،‬مث قام بعد‬
‫قلع‪ :‬أمية بن قلع‪ ،‬مث قام بعد أمية‪ :‬عوف بن أمية‪ ،‬مث قام بعد عوف أبو مثامة‬
‫جنادة بن عوف‪ ،‬وكان آخرهم‪ ،‬وعليه قام اإلسالم‪ ،‬وكانت العرب إذا فرغت‬
‫من حجها اجتمعت إليه‪ ،‬فحرم األشهر احلرم األربعة‪( :‬رجبا‪ ،‬وذا القعدة‪ ،‬وذا‬
‫وحرم مكانه‬
‫احملرم فأحلوه‪ّ ،‬‬
‫احلجة‪ ،‬واحملرم) فإذا أراد أن حيل منها شيئا أحل ّ‬
‫صفر فحرموه‪ ،‬ليواطئوا عدة األربعة األشهر احلرم‪ .‬اهـ‬
‫قال ابن كثري رمحه هللا(‪ :)1‬هذا مما ذم هللا تعاىل به املشركني من تصرفهم يف شرع‬
‫هللا آبرائهم الفاسدة‪ ،‬وتغيريهم أحكام هللا أبهوائهم الباردة‪ ،‬وحتليلهم ما حرم‬
‫هللا وحترميهم ما أحل هللا‪ ،‬فإهنم كان فيهم من القوة الغضبية والشهامة واحلمية‬
‫ما استطالوا به مدة األشهر الثالثة يف التحرمي املانع هلم من قضاء أوطارهم من‬
‫قتال أعدائهم‪ ،‬فكانوا قد أحدثوا قبل اإلسالم مبدة حتليل احملرم وأتخريه إىل‬
‫صفر‪ ،‬فيحلون الشهر احلرام‪ ،‬وحيرمون الشهر احلالل‪ ،‬ليواطئوا عدة األشهر‬
‫األربعة‪ .‬اهـ‬
‫قال األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪ :)2‬ومن أصرح األدلة يف هذا أن الكفار إذا‬
‫أحلوا شيئا يعلمون أن هللا حرمه‪ ،‬وحرموا شيئا يعلمون أن هللا أحله‪ ،‬فإهنم‬
‫يزدادون كفرا جديدا بذلك مع كفرهم األول‪ ،‬وذلك يف قوله تعاىل‪" :‬إمنا‬
‫النسيء زايدة يف الكفر" إىل قوله‪" :‬وهللا ال يهدي القوم الكافرين"‪ ،‬وعلى كل‬

‫(‪ )1‬تفسري ابن كثري (‪.)244/4‬‬


‫(‪ )2‬أضواء البيان (‪.)184/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪88‬‬

‫حال فال شك أن كل من أطاع غري هللا يف تشريع خمالف ملا شرعه هللا فقد‬
‫أشرك به مع هللا‪ .‬اهـ‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪89‬‬

‫فصل‬
‫بعض شبهات مشاهري املعاصرين اليت يتكئ عليها مرجئة العصر‬

‫قال عبد العزيز بن ابز(‪ : )1‬أما من حكم بغري ما أنزل هللا وهو يعلم أنه واجب‬
‫عليه احلكم مبا أنزل هللا وأنه خا لف الشرع ولكن استباح هذا األمر ورأى أنه‬
‫ال حرج عليه يف ذلك‪ ،‬وأنه جيوز له أن حيكم بغري شريعة هللا‪ ،‬هذا كافر كفرا‬
‫أكرب عند مجيع العلماء‪.‬‬
‫من استحل احلكم بغري ما أنزل هللا كاحلكم ابلقوانني الوضعية اليت وضعها‬
‫الرجال من النصارى أو اليهود أو غريهم‪ ،‬وزعم أنه جيوز احلكم هبا‪ ،‬أو زعم‬
‫أهنا أفضل من حكم هللا والعياذ ابهلل‪ ،‬أو زعم أهنا تساوي حكم هللا‪ ،‬وأن‬
‫اإلنسان خمري إن شاء حكم ابلقرآن والسنة وإن شاء حكم ابلقوانني الوضعية‬
‫من اعتقد هذا كفر عند مجيع املسلمني‪.‬‬
‫من قال إنه جيوز احلكم ابلقوانني أو أهنا أفضل أو أهنا مساوية حلكم هللا كفر‬
‫إمجاعا‪.‬‬
‫أو أهنا أنسب ألهل الزمان فهو كافر ابإلمجاع‪.‬‬
‫أما من حكم بغري ما أنزل هللا هلوى وحظ عاجل وهو يعلم أنه خمطئ ويعلم‬
‫أنه فعل منكرا وأن الواجب حكم هللا ولكن حكم بقانون أو برشوة أو حلاجات‬
‫أخرى يف نفسه‪.‬‬

‫(‪ )1‬مقطع صويت يف بعض دروسه‪.‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪91‬‬

‫هذا يكون أتى منكرا عظيما ومعصية كبرية وكفرا لكن يسمى كفرا أصغر كما‬
‫قال ابن عباس وجماهد وغريه كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق‬
‫كالذي حيكم ابلرشوة أو حيكم أبي قانون لكن مع إميانه أبنه خمطئ وأنه‬
‫غلطان ولكن محله اهلوى أو حب الرائسة ويعلم أنه خمطئ وأنه ظامل فهذا قد‬
‫أتى كفرا لكن ليس بكفر أكرب كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق‬
‫هذا عند أهل السنة واجلماعة‪ .‬اهـ‬
‫فنقول‪:‬‬
‫حاصل ما ذكره من مناطات كفر احلاكم بغري ما أنزل هللا أربعة وهي‪:‬‬
‫‪ .1‬استحالل احلكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬ومثّل هلذا بـمن حيكم ابلقوانني الوضعية‬
‫مستحال هلا‪.‬‬
‫‪ .2‬تفضيل القوانني على حكم هللا‪.‬‬
‫‪ .3‬تسوية القوانني حبكم هللا‪.‬‬
‫‪ .4‬أن اإلنسان خمري يف احلكم ابلقوانني أو حبكم هللا‪.‬‬
‫وكل هذه املناطات مكفرة ابإلمجاع كما ذكره وال خيالف يف ذلك أحد‪ ،‬لكنّها‬
‫مك ِّفرة بذاهتا ألهنا (اعتقاد) وال يشرتط معها (الفعل) أي احلكم بغري ما أنزل‬
‫هللا‪ ،‬فمن اعتقدها فهو كافر ولو مل حيكم أصال‪ ،‬فتقييد مناط الكفر يف احلكم‬
‫بغري ما أنزل هللا هبا غري صحيح للوجوه اآلتية‪:‬‬
‫‪ .1‬أن هذه املناطات اليت علّق عليها كفر تستوي فيها كل الذنوب واحملرمات‬
‫القطعية فمن استحل شيئا منها أو جوز فعلها فهو كافر‪ ،‬كمن استحل الراب‬
‫والزان والسرقة والقتل ولو مل يفعلها‪ ،‬وأما على قوله فال يوجد فرق بينها وبني‬
‫احلكم بغري ما أنزل هللا إذا كان فاعله ال يكفر إال إذا استحله‪ ،‬وحينئذ يكون‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪91‬‬

‫احلكم بغري ما أنزل هللا من كبائر الذنوب اليت ال يكفر فيها إال املستحل بقلبه‪،‬‬
‫وهذا ابطل ألن هللا سبحانه قد فرق بينها وجعل احلكم مبا أنزل هللا من توحيده‬
‫سبحانه واإلميان به‪ ،‬وجعل التحاكم لغريه وترك شرعه من اإلميان ابلطاغوت‬
‫والكفر ابهلل‪ ،‬فمنزلته أعلى من كبائر الذنوب اليت ال خترج من امللة إال‬
‫ابستحالهلا‪ ،‬والقاعدة‪ :‬أن ما جعله الشرع كفرا أكرب ابلعمل ال جيوز تقييده‬
‫ابعتقاد القلب‪.‬‬
‫وهلذا قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا ردا على القاضي أيب يعلى رمحه هللا‬
‫ملا جعل السب كفرا ألجل استحالله له ال ألنه كفر بذاته مع أن الشرع حكم‬
‫على الفاعل مبجرد فعله ال ابعتقاده‪.‬‬
‫فقال رمحه هللا(‪ :)1‬قال(‪ :)2‬وأما من علم أنه سبه معتقدا الستحالله فال شك‬
‫يف كفره بذلك وكذلك إن كان سبه يف نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفريه وحنوه‬
‫فهذا ما ال إشكال فيه وكذلك من مل يظهر التوبة واعرتاف مبا شهد به وصمم‬
‫عليه فهو كافر بقوله واستحالله هتك حرمة هللا أو حرمة نبيه وهذا أيضا تثبيت‬
‫منه أبن السب يكفر به ألجل استحالله له إذا مل يكن يف نفسه تكذيبا صرحيا‪.‬‬
‫وهذا أي ضا تثبيت منه أبن السب يكفر به ألجل استحالله له إذا مل يكن يف‬
‫نفسه تكذيبا صرحيا‪.‬‬
‫وهذا موضع ال بد من حتريره وجيب أن يعلم أن القول أبن كفر الساب يف‬
‫السب‪ ،‬زلة منكرة وهفوة عظيمة‪ ،‬ويرحم هللا‬‫َّ‬ ‫نفس األمر إمنا هو الستحالله‬

‫(‪ )1‬الصارم املسلول‬


‫(‪ )2‬أي القاضي أبو يعلى‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪92‬‬

‫القاضي أاب يعلى قد ذكر يف غري موضع ما يناقض ما قاله هنا‪ ،‬وإمنا وقع من‬
‫وقع يف هذه املهواة ما تلقوه من كالم طائفة من متأخري املتكلمني وهم اجلهمية‬
‫اإلانث الذين ذهبوا مذهب اجلهمية األوىل يف أن اإلميان هو جمرد التصديق‬
‫الذي يف القلب وإن مل يقرتن به قول اللسان ومل يقتض عمال يف القلب وال يف‬
‫اجلوارح‪ .‬اهـ‬
‫‪ .2‬أن االستحالل للحكم بغري ما أنزل هللا كفر بذاته ولو مل يعمل‪ ،‬ألن‬
‫املستحل للحرام اجملمع عليه الذي دون الكفر يكفر‪ ،‬فمن ابب أوىل ما حكم‬
‫الشرع على فاعله ابلكفر كاحلكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬فمن استحله كفر ولو مل‬
‫يفعله‪ ،‬بل لو حكم مبا أنزل هللا واستحل احلكم بغريه كان كافرا‪ ،‬وأشد منه إن‬
‫استحل احلكم بغري ما أنزل هللا مث حكم به فإن هذا زايدة يف الكفر فهما‬
‫انقضان مستقالن انقض اعتقادي وانقض عملي‪.‬‬
‫‪ .3‬أن قصر املناط املكفر يف احلكم بغري ما أنزل هللا على االعتقاد‪،‬‬
‫كاالستحالل أو تسوية حكم هللا حبكم القانون أو تفضيل حكم القانون على‬
‫حكم هللا‪ ،‬وإخراج عمل اجلوارح من املناط املكفر مع أن الشرع قد حكم على‬
‫الظاهر دون الباطن‪ ،‬هو مذهب املرجئة الذين يشرتطون فيما حكم الشرع‬
‫على فاعله ابلكفر أن يكون معتقدا بقلبه‪ ،‬فال يكون العمل عندهم كفرا بذاته‪،‬‬
‫وأهل السنة واجلماعة يرون أن العمل منه ما هو كفر بذاته دون االعتقاد‪ ،‬ومنه‬
‫ما ال يكون كفرا إال ابالعتقاد‪ ،‬وأما قول ابن ابز هنا فهو خمالف لعقيدة أهل‬
‫السنة حني قصر املناط على اعتقاد القلب فقط‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪93‬‬

‫‪ .4‬أن اآلايت الواردة يف املسألة قد أانطت احلكم أبعمال اجلوارح‪ ،‬فمن علق‬
‫حكم الكفر فيها على اعتقاد القلب فقط‪ ،‬فقد زاد على النص ونفى أتثري‬
‫املناط الذي علق الشرع عليه حكم الكفر‪.‬‬
‫{ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ } ( ‪. )1‬‬ ‫فقوله تعاىل‪:‬‬
‫ليس فيه إال احلكم على العمل الظاهر وهو (ترك احلكم مبا أنزل هللا واحلكم‬
‫بغريه) وهذا هو ما يتنزل عليه قوله (هم الكافرون)‪.‬‬
‫قال ابن القيم رمحه هللا(‪ :)2‬ومنهم من أتول اآلية على ترك احلكم مبا أنزل هللا‬
‫جاحدا له‪ ،‬وهو قول عكرمة‪ ،‬وهو أتويل مرجوح‪ ،‬فإن نفس جحوده كفر‪،‬‬
‫سواء حكم أو مل حيكم‪ .‬اهـ‬
‫ويؤكد هذا سبب نزول اآلية وهو ما حصل من اليهود حني تركوا حكم هللا مث‬
‫بدلوه حبكم من عندهم‪ ،‬وهذا عمل جوارح ال اعتقاد قلب‪.‬‬
‫{ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫وقال تعاىل‪:‬‬
‫ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ} (‪. )3‬‬
‫قال ابن جرير الطربي رمحه هللا(‪ :)4‬يعين تعاىل ذكره‪ ،‬وكيف حيكمك هؤالء‬
‫اليهود‪ ،‬اي حممد‪ ،‬بينهم‪ ،‬فريضون بك حكما بينهم‪" ،‬وعندهم التوراة " اليت‬
‫أنزلتها على موسى‪ ،‬اليت يقرون هبا أهنا حق‪ ،‬وأهنا كتايب الذي أنزلته إىل نبيي‪،‬‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬مدارج السالكني‬
‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.41:‬‬
‫(‪ )4‬تفسري الطربي (‪ )444/8‬خمتصرا‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪94‬‬

‫وأن ما فيه من حكم فمن حكمي‪ ،‬يعلمون ذلك ال يتناكرونه‪ ،‬وال يتدافعونه‪،‬‬
‫ويعلمون أن حكمي فيها على الزاين احملصن الرجم‪ ،‬وهم مع علمهم بذلك‬
‫"يتولون"‪ ،‬يقول‪ :‬يرتكون احلكم به‪ ،‬بعد العلم حبكمي فيه‪ ،‬جراءة علي وعصياان‬
‫يل‪.‬‬
‫مث قال تعاىل ذكره خمربا عن حال هؤالء اليهود الذين وصف صفتهم يف هذه‬
‫اآلية عنده‪ ،‬وحال نظرائهم من اجلائرين عن حكمه‪ ،‬الزائلني عن حمجة احلق‬
‫"وما أولئك ابملؤمنني "‪ ،‬يقول‪:‬‬
‫ليس من فعل هذا الفعل أي‪ :‬من توىل عن حكم هللا‪ ،‬الذي حكم به يف كتابه‬
‫الذي أنزله على نبيه‪ ،‬يف خلقه ابلذي صدق هللا ورسوله فأقر بتوحيده ونبوة‬
‫نبيه صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ألن ذلك ليس من فعل أهل اإلميان‪ .‬اهـ‬
‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬ ‫ويف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ‬
‫ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ } ( ‪. )1‬‬
‫إذ جعل سبحانه إميان من أراد التحاكم للطاغوت جمرد زعم ال حقيقة له‪،‬‬
‫ملخالفته مقتضى اإلميان ابهلل املوجب للتحاكم له فلما أراد التحاكم لغريه مل‬
‫يكن مؤمنا ابهلل بل مؤمنا ابلطاغوت‪ ،‬وهذا فيمن أراد التحاكم للطاغوت‪،‬‬
‫فكيف مبن حتاكم للطاغوت فعال وترك التحاكم ملا أنزله هللا‪ ،‬فهذا فيه أيضا‬
‫تعليق احلكم على عمل اجلوارح ال أعمال القلوب‪ ،‬وهلذا قال ابن كثري رمحه‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪95‬‬

‫هللا(‪ : )1‬واآلية أعم من ذلك كله‪ ،‬فإهنا ذامة ملن عدل عن الكتاب والسنة‪،‬‬
‫وحتاكموا إىل ما سوامها من الباطل‪ ،‬وهو املراد ابلطاغوت هاهنا‪ .‬اهـ‬
‫‪ .5‬أن علماء أهل السنة واجلماعة قد حكموا على احلاكم بغري شريعة هللا من‬
‫قوانني وضعية أو أعراف جاهلية ابلكفر األكرب مبجرد عمله ومل يشرتطوا‬
‫االعتقاد ومنهم‪:‬‬
‫{ﯾ ﯿ ﰀﰁ ﰂ ﰃ ﰄ‬ ‫‪ ‬ابن كثري رمحه هللا قال(‪ )2‬عن قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ} (‪. )3‬‬
‫ينكر تعاىل على من خرج عن حكم هللا احملكم املشتمل على كل خري‪ ،‬الناهي‬
‫عن كل شر وعدل إىل ما سواه من اآلراء واألهواء واالصطالحات‪ ،‬اليت وضعها‬
‫الرجال بال مستند من شري عة هللا‪ ،‬كما كان أهل اجلاهلية حيكمون به من‬
‫الضالالت واجلهاالت‪ ،‬مما يضعوهنا آبرائهم وأهوائهم‪ ،‬وكما حيكم به التتار من‬
‫السياسات امللكية املأخوذة عن ملكهم جنكزخان‪ ،‬الذي وضع هلم الياسق‬
‫وهو عبارة عن كتاب جمموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شىت‪ ،‬من‬
‫اليهودية والنصرانية وامللة اإلسالمية‪ ،‬وفيها كثري من األحكام أخذها من جمرد‬
‫نظره وهواه‪ ،‬فصارت يف بنيه شرعا متبعا‪ ،‬يقدموهنا على احلكم بكتاب هللا‬
‫وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم‪ .‬ومن فعل ذلك منهم فهو كافر جيب قتاله‪،‬‬
‫حىت يرجع إىل حكم هللا ورسوله ﷺ فال حيكم سواه يف قليل وال كثري‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬تفسري ابن كثري (‪.)118/4‬‬


‫(‪ )2‬تفسري ابن كثري (‪.)241/4‬‬
‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪96‬‬

‫وقال رمحه هللا يف البداية والنهاية(‪ : )1‬ذكر اجلويين شيئا من الياسق من ذلك‪:‬‬
‫أنه من زان قتل‪ ،‬حمصنا كان أو غري حمصن‪ ،‬وكذلك من الط قتل‪ ،‬ومن تعمد‬
‫الكذب قتل‪ ،‬ومن سحر قتل‪ ،‬ومن جتسس قتل‪ ،‬ومن دخل بني اثنني خيتصمان‬
‫فأعان أحدمها قتل‪ ،‬ومن ابل يف املاء الواقف قتل‪ ،‬ومن انغمس فيه قتل‪ ،‬ومن‬
‫أطعم أسريا أو سقاه أو كساه بغري إذن أهله قتل‪ ،‬ومن وجد هاراب ومل يرده‬
‫قتل‪ ،‬ومن رمى إىل أحد شيئا من املأكول قتل‪ ،‬بل يناوله من يده إىل يده‪،‬‬
‫ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه أوال‪ ،‬ولو كان املطعم أمريا ألسري‪ ،‬ومن أكل‬
‫ومل يطعم من عنده قتل‪ ،‬ومن ذبح حيواان ذبح مثله‪ ،‬بل يشق جوفه‪ ،‬ويتناول‬
‫قلبه بيده يستخرجه من جوفه أوال‪.‬‬
‫ويف ذلك كله خمالفة لشرائع هللا املنزلة على عباده األنبياء عليهم الصالة‬
‫والسالم‪ ،‬فمن ترك الشرع احملكم املنزل على حممد بن عبد هللا خامت األنبياء‪،‬‬
‫وحتاكم إىل غريه من الشرائع املنسوخة كفر‪ ،‬فكيف مبن حتاكم إىل " الياسق "‬
‫وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر ذإمجاع املسلمني‪ .‬اهـ‬
‫وقال محد بن عتيق رمحه هللا(‪ )2‬معلقا على بعض كالم ابن كثري السابق‪ :‬قلت‪:‬‬
‫ومثل هؤالء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شاهبهم‪ ،‬من حتكيم عادات آابءهم‪،‬‬
‫وما وضعه أوائلهم من املوضوعات امللعونة اليت يسموهنا (شرع الرفاقة) يقدموهنا‬
‫على كتاب هللا وسنة رسوله صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ومن فعل ذلك فهو كافر‪،‬‬
‫جيب قتاله حىت يرجع إىل حكم هللا ورسوله‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬البداية والنهاية (‪.)102/14‬‬


‫(‪ )2‬سبيل النجاة والفكاك من مواالة املرتدين واألتراك ص ‪.45‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪97‬‬

‫وقال أمحد شاكر رمحه هللا(‪ :)1‬إن األمر يف هذه القوانني الوضعية واضح وضوح‬
‫الشمس‪ ،‬هي كفر بواح‪ ،‬ال خفاء فيه وال مداراة‪ ،‬وال عذر ألحد ممن ينتسب‬
‫لإلسالم كائنا من كان يف العمل هبا أو اخلضوع هلا أو إقرارها‪ ،‬فليحذر امرؤ‬
‫لنفسه‪ ،‬وكل امرئ حسيب نفسه أال فليصدع العلماء ابحلق غري هيابني‪،‬‬
‫وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غري موانني وال مقصرين‪.‬‬
‫سيقول عين عبيد هذا "الياسق ا لعصري " وانصروه‪ ،‬أين جامد‪ ،‬وأين رجعي‪،‬‬
‫وما إىل ذلك من األقاويل‪ ،‬أال فليقولوا ما شاءوا‪ ،‬فما عبأت يوما ما مبا يقال‬
‫عين‪ ،‬ولكين قلت ما جيب أن أقول‪ .‬اهـ‬
‫{ ﯴﯵ‬ ‫وقال األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪ : )2‬ويفهم من هذه اآلايت‪ ،‬كقوله‪:‬‬
‫ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ} (‪ ، )3‬أن متبعي أحكام املشرعني غري ما شرعه هللا أهنم‬
‫مشركون ابهلل‪ ،‬وهذا املفهوم جاء مبينا يف آايت أخر‪ ،‬كقوله فيمن اتبع تشريع‬
‫إابحة امليتة بدعوى أهنا ذبيحة هللا‪{ :‬ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ‬ ‫الشيطان يف‬
‫ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ‬
‫ﮕ ﮖ} (‪ ، )4‬فصرح أبهنم مشركون بطاعتهم‪ ،‬وهذا اإلشراك يف الطاعة‪،‬‬
‫واتباع الت شريع املخالف ملا شرعه هللا تعاىل هو املراد بعبادة الشيطان يف قوله‬
‫تعاىل‪{:‬ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ‬

‫(‪ )1‬عمدة التفسري (‪ )054/1‬احلاشية‪.‬‬


‫(‪ )2‬أضواء البيان (‪.)148/4‬‬
‫(‪ )1‬سورة الكهف‪.20:‬‬
‫(‪ )4‬سورة األنعام‪.121:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪98‬‬

‫إبراهيم‪{:‬ﮏ‬ ‫ﮃ ﮄﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ} (‪ ،)1‬وقوله تعاىل عن نبيه‬


‫{ﮚ ﮛ‬ ‫ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ} (‪ ،)2‬وقوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ} (‪ ،)3‬أي‪ :‬ما يعبدون إال‬
‫شيطاان‪ ،‬أ ي‪ :‬وذلك ابتباع تشريعه‪ ،‬ولذا مسى هللا تعاىل الذين يطاعون فيما‬
‫{ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ‬ ‫زينوا من املعاصي شركاء‪ ،‬يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ} (‪ .)4‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ : )5‬وهبذه النصوص السماوية اليت ذكران يظهر غاية الظهور‪ :‬أن‬
‫الذين يتبعون القوانني الوضعية اليت شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه خمالفة‬
‫ملا شرعه هللا جل وعال على ألسنة رسله صلى هللا عليهم وسلم‪ ،‬أنه ال يشك‬
‫يف كفرهم وشركهم إال من طمس هللا بصريته‪ ،‬وأعماه عن نور الوحي مثلهم‪.‬‬
‫اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ : )6‬وأما النظام الشرعي املخالف لتشريع خالق السماوات واألرض‬
‫فتحكيمه كفر خبالق السماوات واألرض‪ ،‬كدعوى أن تفضيل الذكر على‬
‫األنثى يف املرياث ليس ذإنصاف‪ ،‬وأهنما يلزم استواؤمها يف املرياث‪ .‬وكدعوى أن‬

‫(‪ )1‬سورة يس‪.01-04:‬‬


‫(‪ )2‬سورة مرمي‪.44:‬‬
‫(‪ )1‬سورة النساء‪.114:‬‬
‫(‪ )4‬سورة األنعام‪.114:‬‬
‫(‪ )4‬أضواء البيان (‪.)145/4‬‬
‫(‪ )0‬أضواء البيان (‪.)114/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪99‬‬

‫تعدد الزوجات ظلم‪ ،‬وأن الطالق ظلم للمرأة‪ ،‬وأن الرجم والقطع وحنومها‬
‫أعمال‪ ،‬وحشية ال يسوغ فعلها ابإلنسان‪ ،‬وحنو ذلك‪.‬‬
‫فتحكيم هذا النوع من النظام يف أنفس اجملتمع وأمواهلم وأعراضهم وأنساهبم‬
‫وعقوهلم وأدايهنم كفر خبالق السماوات واألرض‪ ،‬ومترد على نظام السماء الذي‬
‫وضعه من خلق اخلالئق كلها وهو أعلم مبصاحلها سبحانه وتعاىل عن أن يكون‬
‫معه مشرع آخر علوا كبريا‪ .‬اهـ أضواء البيان‬
‫وقال أيضا‪ :‬ومن هدي القرآن لليت هي أقوم بيانه أنه كل من اتبع تشريعا غري‬
‫التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم حممد بن عبد هللا صلوات هللا وسالمه‬
‫عليه‪ ،‬فاتباعه لذلك التشريع املخالف كفر بواح‪ ،‬خمرج عن امللة اإلسالمية‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ : )1‬والعجب ممن حيكم غري تشريع هللا مث يدعي اإلسالم‪ .‬اهـ‬
‫‪ .6‬ما ذكره فيمن حيكم بغري ما أنزل هللا هلوى مع اعتقاد أنه عاص وظامل‬
‫وخمطئ فهذا قيده علماء أهل السنة مبن كان ملتزما حبكم شريعة هللا مث حصل‬
‫منه ظلم يف احلكم وجور يف قضية معينة دون تبديل حلكم هللا أو حكم بغري‬
‫شريعته‬
‫يرد شهادة الشهود ظلما هلم فيمن ثبتت عليه السرقة ابلشهود‪ ،‬أو جيعل‬ ‫كمن ّ‬
‫املال املسروق مل يبلغ احلرز مع أنه كذلك ليربئ السارق لقرابة أو رشوة‪ ،‬فمن‬
‫حصل منه هذا هو الذي قال عنه العلماء كفر دون كفر‪.‬‬
‫وضابطه هذه الصورة‪ :‬أهنا حتصل يف قضية معينة دون تبديل حلكم هللا فيها أو‬
‫احلكم حبكم مبدل‪.‬‬

‫(‪ )1‬أضواء البيان (‪.)421/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪111‬‬

‫فالذي حيكم يف قضية معينة ابلقانون الوضعي ال يقال فيه كفر دون كفر كما‬
‫قال ابن ابز هنا‪ ،‬إمنا هو من الكفر األكرب كما سبق‪.‬‬
‫ومن أقوال العلماء يف ذلك‪:‬‬
‫ما أخرجه الطربي رمحه هللا يف تفسريه(‪ )1‬من طريق عمران بن حدير قال‪ :‬أتى‬
‫أاب جملز انس من بين عمرو بن سدوس فقالوا‪ :‬اي أاب جملز‪ ،‬أرأيت قول هللا‪{ :‬‬
‫ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ}‪ ،‬أحق هو؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬قالوا‪:‬‬
‫{ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ}‪ ،‬أحق هو؟ قال‪ :‬نعم‪،‬‬
‫قالوا‪ { :‬ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ}‪ ،‬أحق هو؟ قال‪:‬‬
‫نعم‪ ،‬قال فقالوا‪ :‬اي أاب جملز‪ ،‬فيحكم هؤالء مبا أنزل هللا؟ قال‪" :‬هو دينهم الذي‬
‫يدينون به‪ ،‬وبه يقولون‪ ،‬وإليه يدعون‪ ،‬فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أهنم قد‬
‫تفرق!‪ ،‬قال‪ :‬أنتم أوىل هبذا مين ال أرى‪،‬‬ ‫أصابوا ذنبا" فقالوا‪ :‬ال وهللا‪ ،‬ولكنك َ‬
‫وإنكم أنتم ترون هذا وال حترجون‪ ،‬ولكنها أنزلت يف اليهود والنصارى وأهل‬
‫الشرك‪ ،‬أو حنوا من هذا‪ .‬اهـ‬
‫وقول شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬وأما من كان ملتزما حلكم هللا ورسوله‬
‫ابطنا وظاهرا‪ ،‬لكن عصى واتبع هواه‪ ،‬فهذا مبنزلة أمثاله من العصاة‪ .‬اهـ‬
‫وقال أيضا(‪ :)3‬فإ ّن احلاكم إذا كان ديِّنا لكنه حكم بغري علم كان من أهل النار‪،‬‬
‫وإن كان عاملا لكنه حكم خبالف احلق الذي يعلمه كان من أهل النار‪ ،‬وإذا‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪ )444/8‬وإسناده صحيح‪.‬‬


‫(‪ )2‬منهاج السنة النبوية (‪.)111/4‬‬
‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)188/14‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪111‬‬

‫حكم بال عدل وال علم كان أوىل أن ي كون من أهل النار‪ .‬وهذا إذا حكم يف‬
‫قضية معينة لشخص‪ .‬اهـ‬
‫وقول ابن القيم رمحه هللا(‪ : )1‬والصحيح أن احلكم بغري ما أنزل هللا يتناول‬
‫الكفرين‪ ،‬األصغر واألكرب حبسب حال احلاكم‪ ،‬فإنه إن اعتقد وجوب احلكم‬
‫مبا أنزل هللا يف هذه الواقعة‪ ،‬وعدل عنه عصياان‪ ،‬مع اعرتافه أبنه مستحق‬
‫للعقوبة‪ ،‬فهذا كفر أصغر‪ .‬اهـ مدارج السالكني‬
‫وقول األمني الشنقيطي رمحه هللا(‪ : )2‬أما من حكم بغري حكم هللا‪ ،‬وهو عامل أنه‬
‫مرتكب ذنبا‪ ،‬فاعل قبيحا‪ ،‬وإمنا محله على ذلك اهلوى فهو من سائر عصاة‬
‫املسلمني‪ .‬اهـ‬
‫وعند أتمل قول ابن جملز‪( :‬هو دينهم الذي يدينون به‪ ،‬وبه يقولون‪ ،‬وإليه‬
‫يدعون)‪.‬‬
‫مع قول شيخ اإلسالم‪( :‬وأما من كان ملتزما حلكم هللا ورسوله ابطنا وظاهرا)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬فإن احلاكم إذا كان دينا)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬وهذا إذا حكم يف قضية معينة لشخص)‬
‫وقول ابن القيم‪( :‬إن اعتقد وجوب احلكم مبا أنزل هللا يف هذه الواقعة)‬
‫تعلم أن مقصود ابن عباس رضي هللا عنه وغريه ممن روي عنهم هذا القول املراد‬
‫به احلكام الذين حيكمون مبا أنزل هللا مث حصل منهم جور وظلم يف احلكم‪،‬‬
‫فإن هؤالء هم من يقال فيهم كفر فوق كفر‪ ،‬وال يقصدون به املتبعني لغري‬

‫(‪ )1‬مدارج السالكني‬


‫(‪ )2‬أضواء البيان (‪.)124/2‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪112‬‬

‫تشريع هللا أو املبدلني ألحكام هللا تعاىل كما هو الواقع اليوم من حال من حيكم‬
‫ابلقانون الوضعي‪.‬‬
‫ف ال يصح تنزيل كالم عبد هللا بن عباس رضي هللا عنه وغريه ممن روي عنهم‬
‫قوهلم يف اآلية (كفر دون كفر) على الواقع اليوم‪ ،‬ألنه مع ما سبق بيانه‪ ،‬فإن‬
‫كالمهم هذا جاء يف مقابلة كالم اخلوارج الذين يكفرون احلكام احلاكمني‬
‫بشريعة هللا ولك ن حصل منهم الظلم‪ ،‬ومل حيصل يف زمن الصحابة والتابعني‬
‫ومن بعدهم تبديل حكم هللا تعاىل ابلقوانني والتشريعات البشرية‪ ،‬وهلذا رد‬
‫العلماء على من استدل بقوهلم على عدم تكفري من حيكم ابلقوانني الوضعية(‪.)1‬‬

‫‪ ‬الرد على كالم األلباين‬


‫قال يف بعض دروسه(‪ :)2‬تفسري اآلايت الثالث هذه اليت أشرت إليها ذكر إمام‬
‫{ﮪ ﮫ‬ ‫املفسرين وهو‪ :‬حممد بن جرير الطربي أن معىن هذه اآلية‪:‬‬
‫ﮬ} إذ ا استحل احلكم بغري ما أنزل هللا‪ ،‬فيكون شأنه شأن الكفار‪،‬‬
‫لكن جيب أن يالحظ أن االستحالل قسمان‪ :‬استحالل قليب‪ ،‬واستحالل‬
‫عملي‪.‬‬
‫الذي خيرج من امللة هو‪ :‬االستحالل القليب‪ ،‬أما االستحالل العملي فكل‬
‫األوساط واقعون فيه‪ ،‬الذي يسرق والذي يزين‪ ،‬والذي يغش والذي إىل آخره‪،‬‬
‫كلهم يواقعون هذه املعاصي‪ ،‬ويرتكبوهنا ويستحلوهنا عمليا‪ ،‬وال فرق بني‬

‫(‪ )1‬انظر ما نقل سابقا عن الشيخني أمحد شاكر حممود شاكر رمحهما هللا‪.‬‬
‫(‪ )2‬سلسلة اهلدى والنور‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪113‬‬

‫هؤالء‪ ،‬وبني من حيكم بغري ما أنزل هللا كلهم جمرمون‪ ،‬كل األوساط ولكن كما‬
‫قيل‪ :‬حنانيك بعض الشر أهون من بعض‪.‬‬
‫ذاك الذي يرايب والراب من أكرب الكبائر كما تعلمون إن استحل ذلك بقلبه ارتد‬
‫عن دينه! وإذا اعرتف مبعصيته فهو فاسق أمره إىل هللا‪ ،‬وداخل يف عموم قوله‬
‫{ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ‬ ‫تعاىل‪:‬‬
‫ﯕﯖﯗ}‬
‫كذلك كل من حيكم بغري ما أنزل هللا إن حكم مبا حكم به‪ ،‬ولو يف حكومة‬
‫واحدة مش ضروري يف كل األحكام‪ ،‬ولو يف حكومة واحدة إذا رأى أن هذا‬
‫احلكم هو الذي يصلح هلذا الزمان خبالف حكم اإلسالم فقد ارتد عن دينه‪،‬‬
‫ليس يف كل األحكام ولو يف حكم واحد‪ ،‬فما ابلك إذا كان يستحسن احلكم‬
‫بكل القوانني اليت هو يطبقها على األمة‪ ،‬فإن استحل ذلك قلبيا فهو مرتد‬
‫عن دينه‪ ،‬أما لو حوسب ونوقش فقيل له‪ :‬ملاذا أنت تفعل هكذا‪ ،‬وهذا خالف‬
‫الشرع؟ هللا يتوب علينا وإن شاء هللا نتمكن من احلكم مبا أنزل هللا‪ ،‬فهذا ليس‬
‫كفره كفر ملة‪ ،‬وإمنا هو كفر عملي‪.‬‬
‫لذلك فم ا استفدانه من كالم شيخ اإلسالم ابن تيمية يف كتبه تقسيم الكفر‬
‫إىل قسمني بل إىل أربعة أقسام‪ ،‬لكن مها يف النتيجة قسمان‪ :‬كفر عملي‪،‬‬
‫وكفر اعتقادي‪ ،‬كفر لفظي وكفر قليب‪ ،‬الكفر اللفظي ال خيرج من امللة الذي‬
‫خيرج هو الكفر القليب‪ .‬اهـ‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪114‬‬

‫‪ .1‬كالم ابن جرير رمحه هللا الذي قصده هو قوله يف تفسري اآلية(‪ :)1‬القول‬
‫يف كل من مل حيكم مبا أنزل هللا جاحدا به‪ ،‬هو ابهلل كافر‪ ،‬كما قال ابن عباس‪،‬‬
‫ألنه جبحوده حكم هللا بعد علمه أنه أنزله يف كتابه‪ ،‬نظري جحوده نبوة نبيه بعد‬
‫علمه أنه نيب‪ .‬اهـ‬
‫‪ .2‬وقفات مع استدالل األلباين به‪:‬‬
‫• أوال‪ :‬ال ُجيعل تفسري أحد من العلماء آلية من كتاب هللا أنه التفسري الوحيد‬
‫والصحيح هلا وكل ما خالفها فهو ابطل‪ ،‬ولذلك ذكر ابن جرير رمحه هللا‬
‫اختالف السلف يف فهمها مث رجح ما رآه صوااب‪ ،‬وال يعين هذا إبطال كالم‬
‫غريه‪ ،‬ألن فهم أحد من العلماء ال يكون حجة على غريه كما هو معلوم‪،‬‬
‫وهذا على فرض اتفاق معىن قول األلباين مع قصد ابن جرير رمحه هللا يف هذا‬
‫املوضع‪ ،‬وإال فهو غري صحيح‪.‬‬
‫• اثنيا‪ :‬أن كالم العامل ورأيه يف مسألة يؤخذ من جمموع كالمه ال بعضه‪.‬‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬ليس ألحد أن حيمل كالم أحد من‬
‫الناس إال على ما عرف أنه أراده ال على ما حيتمله ذلك اللفظ يف كالم كل‬
‫يتأول النصوص املخالفة لقوله‪ ،‬يسلك مسلك من‬ ‫أحد‪ ،‬فإن كثريا من الناس ّ‬
‫جيعل " التأويل " كأنه ذكر ما حيتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك احملتج عليه‬
‫بذلك النص وهذا خطأ‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)404/8‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الفتاوى (‪.)14/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪115‬‬

‫وقال أيضا(‪ : )1‬جيب أن يفسر كالم املتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كالمه هاهنا‬
‫وهاهن ا وتعرف ما عادته يعينه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به وتعرف املعاين‬
‫اليت عرف أنه أرادها يف موضع آخر فإذا عرف عرفه وعادته يف معانيه وألفاظه‬
‫كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده‪.‬‬
‫وأما إذا استعمل لفظه يف معىن مل جتر عادته ابستعماله فيه وترك استعماله يف‬
‫املعىن الذي جرت عادته ابستعماله فيه ومحل كالمه على خالف املعىن الذي‬
‫قد عرف أنه يريده بذلك اللفظ جبعل كالمه متناقضا وترك محله على ما يناسب‬
‫سائر كالمه كان ذلك حتريفا لكالمه عن موضعه وتبديال ملقاصده وكذاب عليه‪.‬‬
‫اهـ‬
‫وبناء على ذلك عند مجع كالم ابن جرير رمحه هللا يف هذه املسألة‪ ،‬يتبني لك‬
‫أنه يعين ابجلحد هنا ما يرادف (ترك احلكم وتبديله) وليس كما فهمه األلباين‬
‫أنه (اجلحد القليب) فضال عن أن يكون (االستحالل القليب)‪.‬‬
‫فإن هذه اللفظة هي من متشابه األلفاظ اليت ترد يف كالم كل متكلم‪ ،‬والواجب‬
‫فيها ردها للمحكم املفصل من كالمه ح ىت تفهم على مراده ال على ما فهمه‬
‫الفاهم منها‪.‬‬
‫قال ابن جرير رمحه هللا(‪ : )2‬إن هللا تعاىل عم ابخلرب بذلك عن قوم كانوا حبكم‬
‫هللا الذي حكم به يف كتابه جاحدين‪ ،‬فأخرب عنهم أهنم برتكهم احلكم‪ ،‬على‬
‫سبيل ما تركوه‪ ،‬كافرون‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬اجلواب الصحيح ملن بدل دين املسيح (‪.)44/4‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪.)404/8‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪116‬‬

‫فهو هنا يتحدث عن اليهود وذكر أهنم جاحدون حبكم هللا الذي حكم به‪.‬‬
‫وإذا أخذان كالمه اآلخر عن هؤالء اليهود نفسهم سنعلم أنه عىن ابجلحد هنا‬
‫(ترك احلكم وتبديله) وليس جحده مبعىن إنكاره‪.‬‬
‫قال(‪ )1‬عند قوله تعاىل‪:‬‬
‫{ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ ﭽ‬
‫ﭾ ﭿ ﮀ } ( ‪. )2‬‬
‫يعين تعاىل ذكره وكيف حيكمك هؤالء اليهود‪ ،‬اي حممد‪ ،‬بينهم‪ ،‬فريضون بك‬
‫حكما بينهم "وعندهم التوراة " اليت أنزلتها على موسى‪ ،‬اليت يقرون هبا أهنا‬
‫حق‪ ،‬وأهنا كتايب الذي أنزلته إىل نبيّي‪ ،‬وأن ما فيه من حكم فمن حكمي‪،‬‬
‫يعلمون ذلك ال يتناكرونه‪ ،‬وال يتدافعونه‪ ،‬ويعلمون أن حكمي فيها على الزاين‬
‫احملصن الرجم‪ ،‬وهم مع علمهم بذلك "يتولون "‪ ،‬يقول‪ :‬يرتكون احلكم به‪ ،‬بعد‬
‫العلم حبكمي فيه‪ ،‬جراءة علي وعصياان يل‪.‬‬
‫يقول هلم تعاىل ذكره‪ :‬كيف تقرون‪ ،‬أيها اليهود‪ ،‬حبكم نبيي حممد صلى هللا‬
‫عليه وسلم‪ ،‬مع جحودكم نبوته وتكذيبكم إايه‪ ،‬وأنتم ترتكون حكمي الذي‬
‫ت قرون به أنه حق عليكم واجب‪ .‬اهـ‬
‫{ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ } ( ‪. )4‬‬ ‫وقال(‪ )3‬عند قوله تعاىل‪:‬‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪ )444/8‬خمتصرا‪.‬‬


‫(‪ )2‬سورة املائدة‪.41:‬‬
‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)444/8‬‬
‫(‪ )4‬سورة املائدة‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪117‬‬

‫يقول‪ :‬وال أتخذوا برتك احلكم آبايت كتايب الذي أنزلته على موسى‪ ،‬أيها‬
‫األحبار‪ ،‬عوضا خسيسا وذلك هو "الثمن القليل "‪.‬‬
‫وإمنا أراد تعاىل ذكره‪ ،‬هنيهم عن أكل السحت على حتريفهم كتاب هللا‪،‬‬
‫وتغيريهم حكمه عما حكم به يف الزانيني احملصنني‪ ،‬وغري ذلك من األحكام‬
‫اليت بدلوها طلبا منهم للرشى‪ .‬اهـ‬
‫{ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ } ( ‪. )2‬‬ ‫وقال(‪ )1‬عند قوله تعاىل‪:‬‬
‫ومن كتم حكم هللا الذي أنزله يف كتابه وجعله حكما بني عباده‪ ،‬فأخفاه وحكم‬
‫بغريه‪ ،‬كحكم اليهود يف الزانيني احملصنني ابلتجبيه والتحميم‪ ،‬وكتماهنم الرجم‪،‬‬
‫وكقضائهم يف بعض قتالهم بدية كاملة ويف بعض بنصف الدية‪ ،‬ويف األشراف‬
‫ابلقصاص‪ ،‬ويف األدنياء ابلدية‪ ،‬وقد سوى هللا بني مجيعهم يف احلكم عليهم يف‬
‫التوراة "فأولئك هم الكافرون "‪.‬‬
‫هؤالء الذين مل حيكموا مبا أنزل هللا يف كتابه‪ ،‬ولكن بدلوا وغريوا حكمه‪ ،‬وكتموا‬
‫احل ق الذي أنزله يف كتابه "هم الكافرون " يقول‪ :‬هم الذين سرتوا احلق الذي‬
‫كان عليهم كشفه وتبيينه‪ ،‬وغطوه عن الناس‪ ،‬وأظهروا هلم غريه‪ ،‬وقضوا به‪،‬‬
‫لسحت أخذوه منهم عليه‪ .‬اهـ‬
‫وعند أتمل قوله‪( :‬يقرون هبا أهنا حق)‪ .‬أي ال ينكرون أنه حكم هللا‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬يعلمون ذلك ال يتناكرونه وال يتدافعونه) أي ال ينكرونه وال يدفعونه‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬ويعلمون أن حكمي فيها على الزاين احملصن الرجم)‪.‬‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)440/8‬‬


‫(‪ )2‬سورة املائدة‪.44:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪118‬‬

‫وقوله‪( :‬وهم مع علمهم بذلك "يتولون " يقول يرتكون احلكم به)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬وأنتم ترتكون حكمي الذي تقرون به)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬وتغيريهم حكمه عما حكم به يف الزانيني احملصنني‪ ،‬وغري ذلك من‬
‫األحكام اليت بدلوها)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬ومن كتم حكم هللا الذي أنزله يف كتابه)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬فأخفاه وحكم بغريه)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬هؤالء الذين مل حيكموا مبا أنزل هللا يف كتابه‪ ،‬ولكن بدلوا وغريوا حكمه‪،‬‬
‫وكتموا احلق)‪.‬‬
‫وقوله‪( :‬وأظهروا هلم غريه‪ ،‬وقضوا به)‪.‬‬
‫نعلم أن ( اجلحد) يف كالم ابن جرير رمحه هللا الذي استدل به األلباين‪ ،‬ال‬
‫يقصد به اجلحد القليب الذي هو اإلنكار‪ ،‬إذ كيف يستقيم هذا مع أقواله‬
‫الصرحية اليت تدل على أن اليهود مل جيحدوا حكم هللا ومل ينكروه بل كتموه‬
‫وتركوه وبدلوه وغريوه مث حكموا هبذا احلكم املستبدل احملرف‪.‬‬
‫مث إننا جند يف كالم ابن جرير أن املناط الذي علق عليه احلكم هو عني ما ورد‬
‫يف اآلية وسبب النزول‪ ،‬وهو التويل الذي هو الرتك حلكم هللا واحلكم أبحكام‬
‫البشر اليت أوجدوها أبنفسهم مستبدلني حكم هللا تعاىل هبا‪ ،‬وقد فسره ابن‬
‫جرير بقوله(‪ :)1‬وأصل "التويل عن الشيء "‪ ،‬االنصراف عنه‪ .‬اهـ‬
‫فهذا الرتك واالنصراف من أعمال اجلوارح ال أعمال القلوب‪.‬‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪.)448/8‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪119‬‬

‫فأين اجلحد القليب واالستحالل القليب الذي يدندن حوله األلباين من كالم‬
‫ابن جرير احملكم الصريح البني‪ ،‬وهبذا يبطل استدالله ٍ‬
‫بلفظة مشتبهة من كالم‬
‫وجعلِها هي احلاكمة على كل كالمه ورأيه مع تركه لكالمه‬ ‫ابن جرير رمحه هللا ْ‬
‫احملكم اآلخر‪.‬‬
‫وما فعله هو طريق أهل األهواء الذين يتبعون متشابه الكالم وجيعلونه أصال‬
‫نصرة مل ذهبهم‪ ،‬بينما يرتكون املـحكم ويعرضون عنه‪ ،‬وما ظهرت بدعة من البدع‬
‫إال هبذا املنهج املنحرف‪.‬‬
‫‪ .3‬أن قول األلباين‪( :‬وال فرق بني هؤالء‪ ،‬وبني من حيكم بغري ما أنزل هللا‬
‫كلهم جمرمون ) قول ابطل‪ ،‬ألنه تسوية بني املعاصي اليت ال خترج من امللة وبني‬
‫املعاصي اليت خترج من امللة‪ ،‬ولكنه يقول هبذا بناء على معتقده الفاسد الذي‬
‫هو عني مذهب املرجئة‪ ،‬وهو أن الكفر العملي كله أصغر‪ ،‬وأن الكفر املخرج‬
‫من امللة هو االعتقادي فقط‪ ،‬ويوضح هذا قوله‪( :‬الكفر اللفظي ال خيرج من‬
‫امللة الذي خيرج هو الكفر القليب)‪.‬‬
‫والكتاب والسنة وإمجاع سلف األمة على بطالن هذا املذهب الذي يبين عليه‬
‫كالمه يف جعل احلكم بغري ما أنزل هللا كفرا عمليا أصغر مطلقا‪.‬‬
‫قال تعاىل‪{ :‬ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ‬
‫ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘ ﮙ ﮚ ﮛ‬
‫ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ} ( ‪. )1‬‬

‫(‪ )1‬سورة التوبة‪.00-04:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪111‬‬

‫أخرج ابن جرير الطربي يف تفسريه(‪)1‬عن عبد هللا بن عمر رضي هللا عنهما قال‪:‬‬
‫قال رجل يف غزوة تبوك يف جملس‪ :‬ما رأينا مثل قرائنا هؤالء‪ ،‬أرغب بطوان‪ ،‬وال‬
‫أكذب ألسنا‪ ،‬وال أجنب عند اللقاء! فقال رجل يف اجمللس‪ :‬كذبت‪ ،‬ولكنك‬
‫منافق! ألخربن رسول هللا ﷺ‪ ،‬فبلغ ذلك النيب ﷺ ونزل القرآن‪ .‬قال عبد هللا‬
‫بن عمر‪ :‬فأان رأيته متعلقا حبقب انقة رسول هللا ﷺ تنكبه احلجارة‪ ،‬وهو‬
‫يقول‪" :‬اي رسول هللا‪ ،‬إمنا كنا خنوض ونلعب! "‪ ،‬ورسول هللا ﷺ يقول‪( :‬أابهلل‬
‫وآايته ورسوله كنتم تستهزئون ال تعتذروا قد كفرمت بعد إميانكم)‪ .‬اهـ‬
‫فإهنم تلفظوا مبا مل يقصدوه إمنا قصدوا به اخلوض واللعب‪ ،‬فكفرهم هللا سبحانه‬
‫به وأبطل اعتذارهم بعدم القصد القليب (االعتقاد)‪.‬‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬فقد أخرب أهنم كفروا بعد إمياهنم مع‬
‫قوهلم إان تكلمنا ابلكفر من غري اعتقاد له بل كنا خنوض ونلعب‪ .‬اهـ‬
‫فاالستهزاء ابهلل وآايته كفر لفظي أكرب‪ ،‬فكيف يقول األلباين أن الكفر اللفظي‬
‫ال خيرج من امللة!‬
‫{ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ‬ ‫وقال تعاىل‪:‬‬
‫ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ‬
‫ﮕ } ( ‪. )3‬‬

‫(‪ )1‬تفسري الطربي (‪ ،)441/11‬إسناده حسن‪.‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الفتاوى (‪.)224/4‬‬
‫(‪ )1‬سورة النحل‪.140:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪111‬‬

‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)1‬معلوم أنه مل يرد ابلكفر هنا اعتقاد‬
‫القلب فقط ألن ذلك ال يكره الرجل عليه وهو قد استثىن من أكره‪ ،‬ومل يرد‬
‫من قال واعتقد ألنه استثىن املكره وهو ال يكره على العقد والقول‪ ،‬وإمنا يكره‬
‫على القول فقط فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من هللا وله‬
‫عذاب عظيم وأنه كافر بذلك إال من أكره وهو مطمئن ابإلميان‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬الصارم املسلول (‪.)544/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪112‬‬

‫فصل‬
‫يف حترير قول شيخ اإلسالم ابن تيمية يف احلاكم بغري ما أنزل هللا‬

‫كعادة أهل األهواء يف اتباع متشابه الكالم وترك حمكمه‪ ،‬فإهنم يستدلون ببعض‬
‫األلفاظ اليت جاءت يف كالم شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا لينصروا هبا‬
‫مذهبهم‪ ،‬وذلك كقوله رمحه هللا(‪ :)1‬وال ريب أن من مل يعتقد وجوب احلكم مبا‬
‫أنزل هللا على رسوله فهو كافر‪ ،‬فمن استحل أن حيكم بني الناس مبا يراه هو‬
‫عدال من غري اتباع ملا أنزل هللا فهو كافر‪ .‬اهـ‬
‫فقالوا إن شيخ اإلسالم يشرتط يف تكفري من حيكم بغري ما أنزل هللا االستحالل‬
‫لذلك‪ ،‬فإن مل يستحل بقلبه فال يكفر‪ ،‬ويقررون على هذا أن احلاكم ابلقانون‬
‫الوضعي ال يكفر حىت يستحله‪.‬‬
‫وهذا فهم ابطل لقول شيخ اإلسالم ورأيه يف هذا الباب‪ ،‬وملعرفة رأيه سنذكر‬
‫بعض كالمه املشهور املتفرق يف كتبه‪ ،‬ألن رأي العامل ومذهبه ال يعرف إال إذا‬
‫مجع‪.‬‬
‫فمن ذلك‪:‬‬
‫‪ ‬قوله بعد تقريره السابق(‪ :)2‬فمن مل يلتزم حتكيم هللا ورسوله فيما شجر بينهم‬
‫فقد أقسم هللا بنفسه أنه ال يؤمن‪ ،‬وأما من كان ملتزما حلكم هللا ورسوله ابطنا‬
‫وظاهرا‪ ،‬لكن عصى واتبع هواه‪ ،‬فهذا مبنزلة أمثاله من العصاة‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬منهاج السنة (‪.)114/4‬‬


‫(‪ )2‬منهاج السنة (‪.)111/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪113‬‬

‫قسم احلكام إىل قسمني‪:‬‬‫فهنا ّ‬


‫‪ .1‬حاكم ملتزم حبكم هللا تعاىل‪ ،‬لكنه قد يظلم وجيور يف احلكم هلوى‬
‫وحنوه‪ ،‬فهذا ال يكفر ألنه مل ِحيد عن شرع هللا تعاىل ومل يبدله‪.‬‬
‫‪ .2‬حاكم ال يلتزم حكم هللا تعاىل بل حيكم بغريه‪ ،‬فهذا قال عنه (ال‬
‫يؤمن) أي أنه كافر كفرا أكرب‪ ،‬ومنه من حيكم ابلقانون الوضعي‪،‬‬
‫فإن الذين حيكمون به ملتزمون به طائعون خاضعون له اتركون‬
‫حلكم هللا تعاىل‪.‬‬
‫‪ ‬وقال بعده‪ :‬واحلكم مبا أنزل هللا على حممد ﷺ هو عدل خاص‪ ،‬وهو أكمل‬
‫أنواع العدل وأحسنها‪ ،‬واحلكم به واجب على النيب ﷺ وكل من اتبعه‪ ،‬ومن‬
‫مل يلتزم حكم هللا ورسوله فهو كافر‪ .‬اهـ‬
‫‪ ‬وقال(‪ :)1‬الشرع املنزل من عند هللا تعاىل وهو الكتاب والسنة الذي بعث هللا‬
‫به رسوله‪ ،‬فإن هذا الشرع ليس ألحد من اخللق اخلروج عنه وال خيرج عنه إال‬
‫كافر‪ .‬اهـ‬
‫‪ ‬وقال(‪ :)2‬اإلجياب والتحرمي ليس إال هلل ولرسوله‪ ،‬فمن عاقب على فعل أو‬
‫نظريا مبنزلة‬
‫ترك بغري أمر هللا ورسوله وشرع ذلك دينًا فقد جعل هلل ندًّا ولرسوله ً‬
‫أندادا‪ ،‬ومبنزلة املرتدين الذين آمنوا مبسيلمة الكذاب‪،‬‬
‫املشركني الذين جعلوا هلل ً‬
‫{ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ }‪.‬‬ ‫وهو ممن قيل فيه‪:‬‬
‫اهـ‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪)202/11‬‬


‫(‪ )2‬التسعينية (‪.)82/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪114‬‬

‫‪ ‬وقال(‪ :)1‬واإلنسان مىت حلل احلرام اجملمع عليه أو حرم احلالل اجملمع عليه‬
‫أو بدل الشرع اجملمع عليه كان كافرا مرتدا ابتفاق الفقهاء‪ .‬اهـ‬
‫وبه يعلم أن قوله‪( :‬فمن استحل‪ )...‬يقصد به املب ّدل لشريعة هللا‪،‬‬
‫واحلاكم هبذه الشريعة املب ّدلة ألنه التزم بغري شرع هللا‪ ،‬وال يشرتط عنده‬
‫يف كفره استحالل القلب كما يزعم املرجئة‪ ،‬ألن حتليل احلرام وحتليل‬
‫احلالل والتزام غري شرع هللا كلها أفعال جوارح وقد بني رمحه هللا أن‬
‫فاعلها كافر ومل يشرتط يف ذلك االستحالل‪ ،‬وإمنا غاية ما يقصده من‬
‫لفظ االستحالل أنه الزم ملن ب ّدل شرع هللا أو التزم شرعا مب ّدال‪ ،‬إذ‬
‫كيف يدعي إنسان أنه مؤمن ابهلل ومصدق بشرعه مث يبدله أو حيكم‬
‫بشرع مب ّدل ويرتك شرع هللا تعاىل‪ ،‬فإن هذا ال يصدر إال عن استحالل‬
‫‪ ،‬فاالستحالل الزم ملا حصل منه وليس شرطا يف تكفريه‪ ،‬وفرق بني‬
‫الالزم والشرط‪.‬‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)204/1‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪115‬‬

‫فصل‬
‫الرد على شبهات جموزي الدميقراطية‬

‫‪ ‬حقيقة الدميقراطية‪:‬‬
‫هي كلمة يواننية مركبة من (دميو) (كراتس) وتعين حكم الشعب‪ ،‬أي هو‬
‫صاحب القرار والتشريع لألحكام‪.‬‬
‫وهلا ثالث صور‪:‬‬
‫يع للقوانني‬
‫نفسه التشر َ‬
‫‪ .1‬الدميقراطية املباشرة‪ :‬وهي أن يباشر الشعب ُ‬
‫واحلكم هبا بناء على ما يتفقون عليه‪ ،‬وهذه انقرضت منذ العهد اليوانين لعدم‬
‫إمكان تطبيقها مع كثرة العدد‪.‬‬
‫‪ .2‬الدميقراطية غري املباشرة‪ :‬وهي أن ينيب الشعب عنه من يقوم بتشريع‬
‫القوانني واحلكم هبا‪ ،‬دون أن يكون للشعب أي حق بعد اإلانبة‪ ،‬وهذه ال‬
‫توجد اليوم إال يف األنظمة الدميقراطية االستبدادية (الديكتاتورية)‪ ،‬أما يف النظام‬
‫الدميقراطي الطبيعي فال تطبق‪.‬‬
‫‪ .3‬الدميقراطية شبه املباشرة‪ :‬وهي أن ينيب الشعب عنه من يقوم بتشريع‬
‫القوانني واحلكم هبا‪ ،‬مع بقاء حق الشعب يف االعرتاض واالستفتاء واالنتخاب‬
‫وحنوها‪ ،‬فيكون للشعب رأي مع اجلهة التشريعية احلاكمة‪ ،‬وهذه الصورة هي‬
‫املعمول هبا اليوم يف غالب الدول الدميقراطية وهي اليت تنص عليها القوانني‬
‫العامة هلم‪ ،‬وهي ما سنتكلم عنها‪.‬‬

‫أركان الدميقراطية شبه املباشرة‪:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪116‬‬

‫‪ .1‬السيادة للشعب فهو مصدر السلطات الثالثة اليت تقوم عليها الدميقراطية‬
‫وهي‪:‬‬
‫• السلطة التشريعية‪ :‬وهي اجلهة النائبة عن الشعب يف تشريع القوانني وتعرف‬
‫ابلربملان أو جملس النواب‪.‬‬
‫• السلطة التنفيذية‪ :‬وهي اجلهة املكلفة ابحلكم مبا تشرعه السلطة التشريعية‬
‫وهي احلكومة‪.‬‬
‫املشرعة وموافقتها‬
‫• السلطة القضائية‪ :‬وهي اجلهة اليت تنظر يف القوانني ّ‬
‫للدستور من عدمه‪ ،‬وصحتها قانوان وتعرف ابحملكمة الدستورية‪.‬‬
‫‪ .2‬مبدأ احلرايت العامة (حرية الرأي _ حرية املعتقد)‪.‬‬
‫‪ .3‬فصل الدين عن احلكم (العلمانية)‪.‬‬
‫وهذه األركان مناقضة لإلسالم من الوجوه التالية‪:‬‬
‫‪ .1‬القول أبن (السيادة للشعب) وهو مصدر السلطات يناقض قوله تعاىل‪:‬‬
‫تعاىل‪ {:‬ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ‬ ‫{ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ } (‪ ، )1‬وقوله‬
‫ﯸ ﯹ } ( ‪. )2‬‬
‫النواب عنه ينايف إفراد هللا تعاىل ابحلكم‪ ،‬فاهلل‬
‫فإسناد احلكم للشعب عن طريق ّ‬
‫هو احلَ َكم والسيد سبحانه وتعاىل ‪ ،‬وإعطاء هذا احلق لغريه تعاىل إشراك به‪،‬‬
‫وهلذا كانت الدميق راطية من صور الشرك ابهلل‪ ،‬وهذا النص موجود يف كل‬
‫الدساتري الوضعية‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬


‫(‪ )2‬سورة الكهف‪.20:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪117‬‬

‫‪ .2‬القول حبرية الرأي واملعتقد ينايف وجوب اتباع دين اإلسالم وأن اخلروج‬
‫{ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ‬ ‫منه كفر وردة‪ ،‬وقد قال تعاىل‪:‬‬
‫ﭹ ﭺ ﭻ} (‪. )1‬‬
‫وقوله ﷺ‪" :‬من بدل دينه فاقتلوه"‪ .‬أخرجه البخاري‬
‫( ‪)2‬‬

‫فإعطاء احلق لكل شخص يف تبديل دينه واعتقاد ما يريده من إابحة الكفر‬
‫والردة‪ ،‬هو ما جيعل الدميقراطية مناقضة لإلسالم‪ ،‬وهذا املبدأ تنص عليه كل‬
‫الدساتري الوضعية يف الدول الدميقراطية‪.‬‬
‫‪ .3‬القول حبرية الرأي يعطي احلق يف فعل املنكرات احملرمة إال ما نص عليها‬
‫القانون الوضعي‪ ،‬كالراب والزان وأفعال قوم لوط وسب الدين والسخرية به‬
‫والسحر والشعوذة‪ ،‬ولو منع القانون بعضها فلم مينعها ألن حمرمة شرعا ألنه مل‬
‫يستند عليه يف التشريع‪ ،‬وهلذا حىت ما ُمنِع منها قانوان ليس منعا اتما كاملنع‬
‫الشرعي‪ ،‬مث هذا املبدأ يبطل وجوب إنكار املنكر الذي هو من أعظم صفات‬
‫أمة اإلسالم‪ ،‬فإن أُنكر على من هذه فعل احملرمات يف العلن قيل هذا من‬
‫تضييق احلرايت العامة وحرية الرأي‪.‬‬
‫‪ .4‬القول بفصل الدين عن احلكم وهو (العلمانية) معناه أن الدين اإلسالمي‬
‫أو غريه من األداين احملرفة ال دخل هلا يف تشريع األحكام‪ ،‬وهذا ردٌّ للشريعة‬
‫اإل سالمية وطعن فيها بعدم صالحيتها للحكم وأهنا ال تكفي الناس لصالح‬

‫(‪ )1‬سورة آل عمران‪.84:‬‬


‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ 102/2‬رقم ‪.)1414‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪118‬‬

‫{ﭻﭼﭽﭾ‬ ‫عيشهم وتنظيم أمورهم‪ ،‬وهو يناقض قوله تعاىل‪:‬‬


‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ } ( ‪. )1‬‬

‫(‪ )1‬سورة املائدة‪.1:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪119‬‬

‫فصل‬
‫شبهات حول الدميقراطية‬

‫جيوز كثري من الزائغني العمل ابلدميقراطية بعدة شبهات نرد عليها تباعا ليعلم‬
‫ّ‬
‫بطالهنا‪:‬‬
‫‪ ‬الشبهة األوىل‪:‬‬
‫قوهلم ‪ :‬أن الدميقراطية كالشورى‪ ،‬والشرع قد أجاز الشورى‪.‬‬
‫واجلواب عنه من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن الشورى هلا حقيقة شرعية والدميقراطية هلا حقيقة عرفية عند صانعها‪،‬‬
‫وبينهما تباين‪.‬‬
‫فالشورى‪ :‬هي املراجعة يف األمر الستخراج رأي فيه‪ ،‬واحلكم فيها هلل تعاىل‪.‬‬
‫والدميقراطية‪ :‬هي إعطاء الرأي والقرار والسيادة للشعب‪.‬‬
‫‪ .2‬أن الشورى ال تكون يف األحكام الشرعية إمنا يف األمور املباحة‪،‬‬
‫والدميقراطية تكون يف كل شيء ولو كان قطعيا ومعلوما من الدين ابلضرورة‪.‬‬
‫‪،.‬‬ ‫( ‪)1‬‬
‫{ﭭ ﭮ ﭯﭰ}‬ ‫‪ .3‬أن الشورى عبادة مأمور هبا بقوله تعاىل‪:‬‬
‫والدميقراطية منهي عنها بل أصلها هو الشرك ابهلل الذي هو أعظم احملرمات‪.‬‬
‫‪ .4‬أن الشورى الرأي فيها لألصلح واألصوب واألقرب للشرع‪ ،‬والدميقراطية‬
‫الرأي فيها لألكثر واألغلب ولو خالف الشرع وانقضه‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة آل عمران‪.145:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪121‬‬

‫‪ .5‬أن الشورى من دين هللا‪ ،‬والدميقراطية من دين الطاغوت ألهنا ُحت ِّكم غري‬
‫هللا وتعظمه وتقدمه على دين هللا‪.‬‬
‫‪ .6‬أن وسيل ة الشورى يف أخذ الرأي مباحة وهي مشاورة أهل احلل والعقد‪،‬‬
‫ووسيلة الدميقراطية بدعة حمرمة وهي االنتخاب والتصويت من اجلميع دون‬
‫النظر للدين أو الصالح‪.‬‬
‫‪ .7‬أن الشورى من فعل النيب ﷺ وأصحابه فكان التشبه هبم سنة قال اإلمام‬
‫البخاري رمحه يف الصحيح يف كتاب االعتصام(‪ :)1‬وشاور النيب ﷺ أصحابه‬
‫يوم أحد يف املقام واخلروج‪ ،‬فرأوا له اخلروج‪ ،‬فلما لبس ألمته وعزم قالوا‪ :‬أقم‪،‬‬
‫فلم ميل إليهم بعد العزم‪ ،‬وقال‪" :‬ال ينبغي لنيب يلبس ألمته فيضعها حىت حيكم‬
‫هللا"‪.‬‬
‫وشاور عليا‪ ،‬وأسامة فيما رمى به أهل اإلفك عائشة فسمع منهما حىت نزل‬
‫القرآن‪ ،‬فجلد ال رامني‪ ،‬ومل يلتفت إىل تنازعهم‪ ،‬ولكن حكم مبا أمره هللا‪.‬‬
‫وكانت األئمة بعد النيب ﷺ يستشريون األمناء من أهل العلم يف األمور املباحة‬
‫ليأخذوا أبسهلها‪ ،‬فإذا وضح الكتاب أو السنة مل يتعدوه إىل غريه‪ ،‬اقتداء ابلنيب‬
‫ﷺ‪.‬‬
‫ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة‪ ،‬فقال عمر‪ :‬كيف تقاتل الناس وقد قال‬
‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ " :‬أمرت أن أقاتل الناس حىت يقولوا ال إله إال‬
‫هللا‪ ،‬فإذا قالوا‪ :‬ال إله إال هللا عصموا مين دماءهم وأمواهلم إال حبقها وحساهبم‬
‫على هللا " فقال أبو بكر‪ :‬وهللا ألقاتلن من فرق بني ما مجع رسول هللا ﷺ‪،‬‬

‫(‪ )1‬صحيح البخاري (‪.)140/4‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪121‬‬

‫مث اتبعه بعد عم ر فلم يلتفت أبو بكر إىل مشورة إذ كان عنده حكم رسول‬
‫هللا ﷺ يف الذين فرقوا بني الصالة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه"‪ ،‬وقال‬
‫النيبﷺ‪" :‬من بدل دينه فاقتلوه"‪.‬‬
‫وكان ال ُق ّراء أصحاب مشورة عمر كهوال كانوا أو شباان‪ ،‬وكان وقافا عند كتاب‬
‫هللا عز وجل‪ .‬اهـ‬
‫وأما الدميقراطية ف من فعل الكفار والواجب ترك التشبه هبم فيها‪ ،‬فإن كان هللا‬
‫{ﯓ‬ ‫سبحانه هناان أن نتشبه هبم يف كلمة يقولوهنا كما يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛﯜ ﯝ ﯞ‬
‫ﯟ ﯠ} (‪. )1‬‬
‫قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬فهذا كله يبني أن هذه الكلمة ُهني‬
‫املسلمون عن قوهلا أل ن اليهود كانوا يقولوهنا‪ ،‬وإن كانت من اليهود قبيحة ومن‬
‫املسلمني مل تكن قبيحة‪ ،‬ملا كان يف مشاهبتهم فيها من مشاهبة الكفار‪،‬‬
‫وتطريقهم إىل بلوغ غرضهم‪ .‬اهـ‬
‫فكيف ابلتشبه هبم يف الدميقراطية وهي نظام كامل له أركان وشروط وليست‬
‫جمرد كلمة‪ ،‬على أنه لو تركت كل شروطها وأخذان الكلمة فقط تعامال هبا من‬
‫ابب (مصلحة الدعوة) كما يقول من ِّ‬
‫جيوزها لكان ذلك منهيا عنه ألنه تشبه‬
‫ابلكفار يف االسم‪ ،‬وهو ذريعة إىل التشبه هبم ابلفعل‪ ،‬وسد الذريعة أصل مقرر‬

‫(‪ )1‬سورة البقرة‪.144:‬‬


‫(‪ )2‬اقتضاء الصراط املستقيم (‪.)144/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪122‬‬

‫يف الشريعة اإلسالمية ال سيما املوصلة للكفر والشرك‪ ،‬ولذلك هني عن أن‬
‫يذبح هلل عند القرب ملا فيه من التشبه ابلكفار يف الصورة‪.‬‬
‫أخرج أبو داود يف سننه(‪ :)1‬عن اثبت بن الضحاك رضي هللا عنه قال‪ :‬نذر‬
‫رجل على عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن ينحر إبال ببوانة فأتى النيب‬
‫صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فقال‪ :‬إين نذرت أن أحنر إبال ببوانة‪ ،‬فقال النيب صلى‬
‫هللا عليه وسلم‪" :‬هل كان ف يها وثن من أواثن اجلاهلية يعبد؟" قالوا‪ :‬ال‪ ،‬قال‪:‬‬
‫"هل كان فيها عيد من أعيادهم؟"‪ ،‬قالوا‪ :‬ال‪ ،‬قال رسول هللا صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪" :‬أوف بنذرك‪ ،‬فإنه ال وفاء لنذر يف معصية هللا‪ ،‬وال فيما ال ميلك ابن‬
‫آدم"‪.‬‬
‫وقد ذكر شيخ اإلسالم مفاسد جمرد التشبه ابلكفار ظاهرا يف شيء قد يكون‬
‫مباحا يف األصل‪ ،‬فكيف إن كان حمرما‪ ،‬قال رمحه هللا(‪:)2‬‬
‫وقد بعث هللا حممدا صلى هللا عليه وسلم ابحلكمة اليت هي سنته‪ ،‬وهي الشرعة‬
‫واملنهاج الذي شرعه له‪ ،‬فكان من هذه احلكمة أن شرع له من األعمال‬
‫واألقوال ما يباين سبيل املغضوب عليهم والضالني‪ ،‬فأمر مبخالفتهم يف اهلدي‬
‫الظاهر وإن مل يظهر لكثري من اخللق يف ذلك مفسدة‪ ،‬ألمور‪:‬‬
‫منها‪ :‬أن املشاركة يف اهلدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكال بني املتشاهبني‪ ،‬يقود‬
‫إىل موافقة ما يف األخالق واألعمال‪ ،‬وهذا أمر حمسوس‪ ،‬فإن الالبس ثياب‬
‫أهل العلم جيد من نفسه نوع انضمام إليهم‪ ،‬والالبس لثياب اجلند املقاتلة مثال‬

‫(‪ )1‬سنن أيب داود (‪ 244/4‬رقم ‪ ،)1111‬قال شيخ اإلسالم يف اقتضاء الصراط املستقيم (‪:)454/1‬‬
‫وهذا اإلسناد على شرط الصحيحني‪ ،‬وإسناده كلهم ثقات مشاهري‪ ،‬وهو متصل بال عنعنة‪ .‬اهـ‬
‫(‪ )2‬اقتضاء الصراط املستقيم (‪.)54/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪123‬‬

‫جيد من نفسه نوع ختلق أبخالقهم‪ ،‬ويصري طبعه متقاضيا لذلك‪ ،‬إال أن مينعه‬
‫مانع‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن املخالفة يف اهلدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب االنقطاع‬
‫عن موجبات الغضب وأسباب الضالل‪ ،‬واالنعطاف على أهل اهلدى‬
‫والرضوان‪ ،‬وحتقق ما قطع هللا من املواالة بني جنده املفلحني وأعدائه اخلاسرين‪.‬‬
‫وكلما كان القلب أمت حياة‪ ،‬وأعرف ابإلسالم الذي هو اإلسالم‪ ،‬لست أعين‬
‫جمرد التوسم به ظاهرا أو ابطنا مبجرد االعتقادات من حيث اجلملة كان‬
‫إحساسه مبفارقة اليهود والنصارى ابطنا وظاهرا أمت‪ ،‬وبعده عن أخالقهم‬
‫املوجودة يف بعض املسلمني أشد‪.‬‬
‫ومنها‪ :‬أن مشاركتهم يف اهلدي الظاهر‪ ،‬توجب االختالط الظاهر‪ ،‬حىت يرتفع‬
‫التميز ظاهرا‪ ،‬بني املهديني املرضيني‪ ،‬وبني املغضوب عليهم والضالني إىل غري‬
‫ذلك من األسباب احلكمية‪.‬‬
‫هذا إذا مل يكن ذلك اهلدي الظاهر إال مباحا حمضا لو جترد عن مشاهبتهم‪،‬‬
‫فأما إن كان من موجبات كفرهم‪ ،‬كان شعبة من شعب الكفر‪ ،‬فموافقتهم فيه‬
‫موافقة يف نوع من أنواع معاصيهم‪ ،‬فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له‪ .‬اهـ‬
‫تنزلنا أن جمرد استعمال لفظ الدميقراطية مباح فاستعماله بدعوى‬ ‫فنقول لو ّ‬
‫مصلحة الدعوة حمرم ألنه سيؤول إىل ترقيق القلب حنوها وقبوهلا يف آخر األمر‬
‫كما هي عند الكفار‪ ،‬وهذا أمر مشاهد حسا‪ ،‬فكل أصحاب هذه الشبهة‬
‫آل هبم األمر إىل السقوط يف الوحل الدميقراطي كامال فال املصلحة رجحت‬
‫وال الدعوة بقيت‪ ،‬ألن جمرد استعمال االسم مستحيل يف الواقع ومل يقع أصال‪،‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪124‬‬

‫ألن الدميقراطية اسم له حقيقة وهلذا كان الواجب سد ذريعة كل ما يوصل هلا‬
‫أو يعني على ذلك‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪125‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثانية‪:‬‬
‫نقر أن الدميقراطية حكم الشعب ولكن أنخذ منها اآلليات فقط‪.‬‬
‫قوهلم‪ :‬ه‬
‫واجلواب عليه من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن آليات الدميقراطية منها والعمل آبلياهتا دون أصلها ال ميكن فعله يف‬
‫الواقع‪ ،‬فلو أخذان حق التصويت واالستفتاء مثال‪ ،‬فهو يف الدميقراطية جائز يف‬
‫كل شيء حىت يف القطعيات‪ ،‬وإذا قيل بتقييده مبا دون القطعيات واألحكام‬
‫املتفق عليها‪ ،‬فال معىن للدميقراطية هنا ألن جوهرها وهو أن الرأي للشعب‬
‫ولألكثر ٍ‬
‫منتف ‪ ،‬وانتفاء أصلها انتفاء هلا‪.‬‬
‫‪ .2‬أن آليات الدميقراطية بدعة حمرمة ال دليل عليها من الكتاب والسنة وعمل‬
‫سلف األمة‪.‬‬
‫‪ .3‬أن القول أبخذ آليات الدميقراطية يلزم منه انتقاص دين اإلسالم‪ ،‬وأنه مل‬
‫أيت فيه بيان آليات احلكم واإلمامة‪ ،‬وإال فما معىن تركها مع وجودها واألخذ‬
‫بغريها‪ ،‬فإن قيل حنن أنخذها ونع ّدل عليها مبا يوافق الشرع‪ ،‬نقول هذا مجع‬
‫بني املتناقضات‪ ،‬مث مل أتخذوهنا وعندكم دين كامل فيه كل شيء من هللا‬
‫سبحانه وتعاىل‪ ،‬والزم دعواهم بتعديلها الطعن يف اإلسالم أبنه انقص وهلذا‬
‫جلأوا ملا عند الكافرين‪.‬‬
‫‪ .4‬أن آليات الدميقراطية كاالنتخاابت والتصويت يكون الرأي فيها لألكثر‪،‬‬
‫ويف الشريعة الرأي ملا وافق احلق ولو كان أقل القليل‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪126‬‬

‫‪ .5‬أن الكثرة اليت تعتمدها الدميقراطية يف اختاذ اآلراء مذمومة شرعا‪ ،‬قال‬
‫‪{ .‬ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ‬ ‫( ‪)1‬‬
‫{ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ}‬ ‫تعاىل‪:‬‬
‫ﰙ } ( ‪ { . )2‬ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ } ( ‪ { . )3‬ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ‬
‫‪{ .‬ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫( ‪)4‬‬
‫ﰋ ﰌ}‬
‫ﭻ ﭼ ﭽ} (‪. )5‬‬

‫(‪ )1‬سورة البقرة‪.241:‬‬


‫(‪ )2‬سورة األعراف‪.184:‬‬
‫(‪ )1‬سورة هود‪.14:‬‬
‫(‪ )4‬سورة يوسف‪.141:‬‬
‫(‪ )4‬سورة اإلسراء‪.85:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪127‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثالثة‪:‬‬
‫قوهلم جيوز املشا ركة مع العلمانيني يف الدميقراطية قياسا على حلف الفضول‬
‫الذي أثىن عليه النيب ﷺ وهو حلف مع الكفار‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن قصة (حلف الفضول) أو (املطيبني) على خالف‪ ،‬هل مها واحد أو‬
‫حلف املطيبني قبل‪ ،‬فالقصة وإن اشتهرت يف كتب السري فإن يف سندها لينا‪،‬‬
‫فقد أخرجها أمحد والبخاري يف األدب املفرد وابن حبان من حديث عبد‬
‫الرمحن بن عوف عن النيب ﷺ قال‪" :‬شهدت حلف املطيبني مع عموميت وأان‬
‫غالم‪ ،‬فما أحب أن يل محر النعم‪ ،‬وأين أنكثه"‪.‬‬
‫ومداره على عبد الرمحن بن إسحاق‪.‬‬
‫قال أبو حامت(‪ :)1‬يكتب حديثه وال حيتج به‪ ،‬وهو حسن احلديث ليس بثبت‬
‫وال قوي‪ .‬اهـ‬
‫وقال الدارقطين(‪ :)2‬ضعيف احلديث‪ ،‬ووثقه ابن معني(‪ ،)3‬وقال البخاري(‪ :)4‬ليس‬
‫ممن يعتمد على حفظه إذا خالف من ليس بدونه‪ .‬اهـ‬
‫فمثله إذا تفرد ال تقبل روايته‪ ،‬خاصة أنه روى عن الزهري ما مل يروه عنه أوثق‬
‫أصحابه املالزمني له‪ ،‬وقد أنكر اإلمام أمحد تفرده هبذا احلديث عن الزهري‬

‫(‪ )1‬اجلرح والتعديل (‪)211/4‬‬


‫(‪ )2‬الضعفاء واملرتوكون ص ‪.244‬‬
‫(‪ )1‬تاريخ ابن معني رواية الدوري (‪.)142/1‬‬
‫(‪ )4‬هتذيب الكمال (‪.)424/10‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪128‬‬

‫كما قال املروذي(‪ : )1‬قلت أليب عبد هللا‪ :‬فعبد الرمحن بن إسحاق‪ ،‬كيف هو؟‬
‫قال‪ :‬أما ما كتبنا من حديثه‪ ،‬فقد حدث عن الزهري أبحاديث‪ ،‬كأنه أراد‪،‬‬
‫تفرد هبا‪ ،‬مث ذكر حديث حممد بن جبري يف احللف‪ ،‬حلف املطيبني‪ ،‬فأنكره‬
‫أبو عبد هللا‪ ،‬وقال‪ :‬ما رواه غريه‪ .‬اهـ‬
‫وله شاهد عن أيب هريرة أخرجه ابن حبان(‪ )2‬بلفظ‪" :‬ما شهدت من حلف‬
‫قريش إال حلف املطيبني‪ ،‬وما أحب أن يل محر النعم‪ ،‬وأين كنت نقضته"‪.‬‬
‫ولكن إسناده ضعيف فيه‪:‬‬
‫معلى بن مهدي‪ :‬قال أبو حامت(‪ :)3‬حيدث أحياان ابحلديث املنكر‪ .‬اهـ‬
‫وعمر بن أيب سلمة‪ :‬قال البخاري‪ :‬صدوق إال أنه خيَالَف يف بعض حديثه‪.‬‬
‫وقال حيىي بن سعيد(‪ : )4‬كان شعبة يضعف عمر بن أيب سلمة‪.‬‬
‫وقال أبو حامت(‪ : )5‬هو عندي صاحل صدوق يف األصل‪ ،‬ليس بذاك القوى يكتب‬
‫حديثه‪ ،‬وال حيتج به‪ ،‬خيالف يف بعض الشيء‪.‬‬
‫وقال النسائي(‪ :)6‬ليس ابلقوي‪.‬‬

‫(‪ )1‬العلل لإلمام أمحد برواية املروذي ص‪44‬‬


‫(‪ )2‬صحيح ابن حبان (‪ 210/14‬رقم ‪)4141‬‬
‫(‪ )1‬اجلرح والتعديل (‪.)114/8‬‬
‫(‪ )4‬اجلرح والتعديل (‪)118/0‬‬
‫(‪ )4‬املصدر السابق‪.‬‬
‫(‪ )0‬الضعفاء واملرتوكني ص ‪.154‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪129‬‬

‫وقال ابن معني(‪ :)1‬ليس به أبس‪ ،‬ومرة أخرى قال(‪ :)2‬ضعيف احلديث‪.‬‬
‫فظهر هبذا أن القصة ابألسانيد املتصلة ال تثبت‪ ،‬وقد رويت مرسلة‪ ،‬فإن قيل‬
‫مشهورة يف كتب السري وشهرهتا تدل على صحتها‪ ،‬قلنا شهرهتا يف حكايتها‬
‫كما تروى أحداث التاريخ ال أن تبىن عليها األحكام‪ ،‬ألن األحكام ال تبىن‬
‫إال على ما صح سنده وثبت‪ ،‬وخاصة إذا كان تلك األحكام مما يتعلق ابلتوحيد‬
‫وما يناقضه واحلالل واحلرام‪.‬‬
‫بذي‬
‫سئل أمحد بن حنبل رمحه هللا فقيل له ‪ :‬ما تقول يف موسى بن عبيدة الر ّ‬
‫( ‪)3‬‬

‫وىف حممد بن إسحاق؟‬


‫فقال‪ :‬أما حممد بن إسح اق فهو رجل تكتب عنه هذه األحاديث ‪-‬كأنه‬
‫يعىن املغازي وحنوها ‪ -‬وأما موسى بن عبيدة فلم يكن به أبس ولكنه حدث‬
‫أبحاديث مناكري عن عبد هللا بن دينار عن ابن عمر عن النيب صلى هللا عليه‬
‫وسلم‪.‬‬
‫فأما إذا جاء احلالل واحلرام أردان قوما هكذا‪ ،‬وقبض أبو الفضل على أصابع‬
‫يديه األربع من كل يد ومل يضم اإلهبام وأراان أبو الفضل يديه وأراان أبو العباس‪.‬‬
‫ا هـ‬

‫(‪ )1‬هتذيب الكمال (‪.)144/21‬‬


‫(‪ )2‬اجلرح والتعديل (‪.)118/0‬‬
‫(‪ )1‬تاريخ ابن معني رواية أيب الفضل الدوري (‪.)04/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪131‬‬

‫وقال عبد الرمحن بن مهدي رمحه هللا(‪ :)1‬إذا روينا عن النيب ﷺ يف احلالل‬
‫واحلرام واألحكام شددان يف األسانيد وانتقدان الرجال‪ ،‬وإذا روينا يف فضائل‬
‫األعمال والثواب‪ ،‬والعقاب‪ ،‬واملباحات‪ ،‬والدعوات تساهلنا يف األسانيد‪ .‬اهـ‬
‫قال اخلطيب البغدادي(‪ )2‬رمحه هللا‪ :‬قد ورد عن غري واحد من السلف أنه ال‬
‫جيوز محل األحاديث املتعلقة ابلتحليل والتحرمي إال عمن كان بريئا من التهمة‪،‬‬
‫بعيدا من الظنة‪ ،‬وأما أحاديث الرتغيب واملواعظ وحنو ذلك فإنه جيوز كتبها‬
‫عن سائر املشايخ‪ .‬اهـ‬
‫وأشار هلذا العراقي رمحه هللا يف األلفية‪:‬‬
‫من غري تبيني لض ـ ـ ـ ـ ـ ــعف‪ ،‬ورأوا‬ ‫وسهلوا يف غري موضوع رووا‬
‫ـدي) وغري واحـ ــد‬ ‫عن (ابن مهـ ـ ّ‬ ‫ب ـي ـ ـ ــان ـ ـ ــه يف احل ـك ــم وال ـع ـق ـ ـ ــائ ـ ـ ــد‬
‫‪ .2‬وعلى فرض صحتها تبعا ملن صححها من أهل العلم‪ ،‬فإن األصل الذي‬
‫قام عليه هذا احللف يناقض األصل الذي قامت عليه الدميقراطية‪ ،‬فحلف‬
‫الفضول قام لنصرة املظلوم واالقتصاص من الظامل‪ ،‬قال الزبري بن عبد املطلب(‪:)3‬‬
‫وإن ك ـ ـن ـ ـ ــا مجـ ـ ـيـ ـ ـع ـ ـ ــا أه ـ ـ ــل دار‬ ‫حلف ـ ــت لنعق ـ ــد ّن حلف ـ ــا عليهم‬
‫يعز ب ـ ـ ــه الغري ـ ـ ــب ل ـ ـ ــذي اجلوار‬ ‫ّ‬ ‫نس ـ ـ ـ ـ ـ ــميــه الفض ـ ـ ـ ـ ـ ــول إذا عقــدان‬
‫أابة الض ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـيــم منـنــع ك ـ ـ ــل ع ـ ـ ــار‬ ‫وي ـع ـلــم مــن ح ـوايل ال ـب ـي ـ ـ ــت َّأان‬
‫وقال الزبري أيضا‪:‬‬
‫أال ي ـق ـيــم ب ـب ـطــن م ـك ـ ـ ــة ظ ـ ـ ــامل‬ ‫إن الفض ـ ـ ـ ـ ـ ــول تعــاقــدوا وحتــالفوا‬

‫(‪ )1‬أخرجه احلاكم يف املستدرك (‪.)0/1‬‬


‫(‪ )2‬الكفاية يف علم الرواية (‪)158/2‬‬
‫(‪ )1‬البداية والنهاية (‪.)444/1‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪131‬‬

‫ف ـ ـ ــاجل ـ ـ ــار واملعرت فيهم س ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــامل‬ ‫أمــر عـلـي ـ ـ ــه تـع ـ ـ ــاق ـ ـ ــدوا وتـواثـقـوا‬
‫والدميقراطية قامت على الظلم األكرب وهو الشرك ابهلل تعاىل يف الربوبية ذإعطاء‬
‫حق التشريع لغريه‪ ،‬ويف األلوهية ابلتحاكم للطاغوت‪ ،‬فكيف تقاس على حلف‬
‫الفضول‪.‬‬
‫‪ .3‬أن حلف الفضول مل يكتب فيه دستور يعطي السيادة واحلكم لغري هللا‬
‫تعاىل‪ ،‬بل ليس قائما على ميثاق إمنا حصل الوفاق على نصرة املظلوم بعده‪،‬‬
‫أما الدميقراطية فإن الربملاانت تقوم فيها على أساس الدستور القائم الذي تكون‬
‫فيه السيادة واحلكم للشعب ال هلل تعاىل‪.‬‬
‫‪ .4‬أن حلف الفضول قام ملعاقبة الظامل وأخذ احلق منه‪ ،‬أما الدميقراطية فتقوم‬
‫على إعطاء احلرية للظامل والفاسق يف ارتكاب جرمه من خالل مبدأ احلرايت‬
‫العامة اليت تبيح الراب والزان والفجور والردة‪.‬‬
‫‪ .5‬أن النيب ﷺ قال بقبول حلف الفضول لو دعي له يف اإلسالم حال كونه‬
‫إمام الدولة اإلسالمية‪ ،‬وإمام املسلمني جيوز له عقد الصلح مع الكفار‬
‫األصل يني فيما ال خيالف اإلسالم ويناقضه‪ ،‬أما الدميقراطية فالداخلون هلا من‬
‫ليجوزوا الصلح مع الكفار‪ ،‬بل‬ ‫أحزاب وأفراد ليسوا على رأس دولة إسالمية ّ‬
‫هم داخلون حتت شعار إقامة الشرع عن طريق الدميقراطية‪ ،‬ففرق كبري بني‬
‫الصورتني‪ ،‬مث هم سيدخلون فيها مع املرتدين ال الكفار األصليني‪ ،‬وحىت لو‬
‫كانوا كفارا أصليني فال يصح‪.‬‬
‫‪ .6‬أن ثناء النيب ﷺ على حلف الفضول مل مينعه جهاد الكفار واملشركني‪،‬‬
‫بينما الدميقراطيون مينعون جهاد الكفار حتت مبدأ حرية املعتقد‪ ،‬وجيعلون قتاهلم‬
‫أو اإلنكار عليهم من اإلرهاب والعنف!‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪132‬‬

‫وهبذا يظهر لنا فساد القياس بني حلف الفضول والدميقراطية‪ ،‬الختالف أصل‬
‫كل منهما ‪ ،‬وإذا بطل القياس بطل االستدالل به هنا وهو املطلوب‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪133‬‬

‫‪ ‬الشبهة الرابعة‪:‬‬
‫قوهلم حنن نقر أن الدميقراطية حمرمة وفيها شرك ابهلل‪ ،‬لكن ندخل فيها من‬
‫ابب الدعوة إىل هللا تعاىل ومن ابب أهنا السبيل الوحيد املتاح اليوم لتحكيم‬
‫الشريعة‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن الدعوة إىل هللا عبادة جيب فيها اإلخالص واملتابعة‪ ،‬وقد جاء بيان‬
‫{ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ‬ ‫شروطها يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ} ( ‪. ) 1‬‬
‫فبني سبحانه أن من سبيل النيب ﷺ يف الدعوة اعتزال املشركني واجتناهبم ال‬
‫خمالطتهم والعمل حتت نظامهم وبقانوهنم‪.‬‬
‫‪ .2‬أن خمالطة العلمانيني واملرتدين واملشركني على الصورة احلاصلة يف الربملاانت‬
‫الدميقراطية من املواالة الكربى املخرجة من امللة اليت هني عنها بقوله تعاىل‪{ :‬‬
‫ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ} (‪ ، )2‬فكيف ُجيعل ما يناقض‬
‫اإلسالم سبيال يف الدعوة إليه‪ ،‬فإن قالوا حنن ننكر عليهم أابطيلهم حتت قبة‬
‫الربملان‪ ،‬قلنا إن أنكرمت عليهم بعضها فال ميكن أن تنكروا الدميقراطية اليت‬
‫مجعتكم يف الربملان وهي اليت جعلت بينكم املواالة مبوافقتكم عليها وعملكم‬
‫هبا‪ ،‬فأنتم تنكرون كفرهم مع موافقتكم عليه وعملكم به معهم‪ ،‬أأتمرون الناس‬
‫برتك الكفر واملنكرات وأنتم هلا عاملون‪ ،‬كيف يستقيم هذا لو كانت لكم‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.148:‬‬


‫(‪ )2‬سورة املائدة‪.41:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪134‬‬

‫عقول؟!‪ ،‬كان األوىل أن تنكروا على أنفسكم وترتكوا مواالهتم وموافقتهم يف‬
‫قوانينهم الوضعية‪.‬‬
‫‪ .3‬أن الدعوة إىل هللا دعوة إىل توحيده يف األلوهية والربوبية ومنها توحيده يف‬
‫احلكم والتشريع‪ ،‬والدميقراطية تدعو إىل حكم الشعب وهذا شرك ابهلل‪ ،‬فكيف‬
‫نتخذ طريق الشرك للدعوة إىل التوحيد الذي هو نقيضه؟!‬
‫‪ .4‬أن اختاذ الدميقراطية سبيال للدعوة إىل هللا وإىل احلكم بشرعه يلزم منه‬
‫التنقص والطعن يف السبل الشرعية يف ذلك‪ ،‬وأن اإلسالم ليس فيه منهج إلقامة‬
‫احلكم يف ظل العصر احلديث‪ ،‬وهذا هو الواقع فإننا جند الدميقراطيون أبصنافهم‬
‫حيرمون اجلهاد يف سبيل هللا إلقامة احلكم اإلسالمي ويسمون هذا عنفا وإرهااب‪،‬‬
‫ودائما ما يدندنون على أن منهجهم هو (التغيري السلمي) يعين ال جهاد‬
‫عندهم‪.‬‬
‫‪ .5‬أن هللا أمران يف كتابه أن هنجر اجملالس اليت يُستهزأ هبا بدينه وبكالمه فإن‬
‫{ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ‬ ‫بقينا ومل ننكر فإننا مثلهم وذلك يف قوله سبحانه‪:‬‬
‫ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ‬
‫ﯽ ﯾ ﯿﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ} (‪ ، )1‬وأي استهزاء‬
‫أعظم من الشرك ابهلل يف احلكم واستباحة احملرمات القطعية كما حيصل حتت‬
‫قبة الربملاانت‪ ،‬كيف ترضون ابلبقاء معهم وأنتم تسمعون هذا الكالم يف كل‬
‫جلسة‪ ،‬ولو أنكرمت عليهم التحاكم لطاغوت القانون والدستور‪ ،‬لردوا عليكم‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.144:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪135‬‬

‫أب نكم أقررمت به معنا مبجرد دخولكم يف هذه العملية‪ ،‬فلم تنكرون علينا ما أنتم‬
‫قرون؟!‬‫به م ّ‬
‫‪ .6‬أن الواقع شاهد أبن كل من دخل للعملية الدميقراطية بدعوى حتكيم‬
‫الشريعة والدعوة إىل هللا ‪ ،‬انقلب على عقبه فصار يدعو للدميقراطية ويدافع عن‬
‫دخوله فيها‪ ،‬فال هو فعل ما ّادعاه وال هو سكت إذ عجز‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪136‬‬

‫‪ ‬الشبهة اخلامسة‪:‬‬
‫قوهلم حنن نستدل ابلعمل يف الدميقراطية بعمل يوسف عليه السالم عند‬
‫ملك مصر وهو كافر‪.‬‬
‫واجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن يوسف عليه السالم كان ممكنا يف األرض حبكم مستقل فال رقيب عليه‬
‫وال دستور يعمل به وال أقسم على قسم‪ ،‬فكانت له وزارة مستقلة‪ ،‬ومن م ّكنه‬
‫هو رب العاملني قال تعاىل‪{ :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ‬
‫ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ} (‪ ، )1‬قال السدي(‪)2‬رمحه هللا‪:‬‬
‫البيع والتجارة‬
‫استعمله امللك على مصر‪ ،‬وكان صاحب أمرها‪ ،‬وكان يلي َ‬
‫أمرها كله‪ .‬اهـ‬
‫و َ‬
‫وقال ابن زيد(‪)3‬رمحه هللا‪ :‬ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا‪،‬‬
‫جيعل فرعون من حتت‬‫ت إليه‪ ،‬قال‪ :‬ولو شاء أن َ‬ ‫ضْ‬ ‫يصنع فيها ما يشاء‪ ،‬فـُ ِّو َ‬
‫يديه‪ ،‬وجيعله فوقه لفعل‪ .‬اهـ‬
‫أما الدميقراطية ف تلزم على الداخلني يف الربملان القسم على احرتام الدستور‬
‫الوضعي الذي فيه اإلشراك ابهلل‪ ،‬وفيها الرقابة على أعضاء الربملان فليس عملهم‬
‫مبستقل وليسوا أحراراً يف اختاذ القرارات‪ ،‬وفيها أهنم سيعملون ابلقانون الوضعي‬
‫ال أبحكام الشريعة‪ ،‬فشتان بني الصورتني‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.40:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪.)221/11‬‬
‫(‪ )1‬املصدر السابق‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪137‬‬

‫‪ .2‬مما يدل أن يوسف عليه السالم كان مستقال يف احلكم وأنه مل يعمل بقانون‬
‫امللك أنه مل حيكم أخاه بقانون امللك بل حكم مبا عليه األنبياء عليهم السالم‬
‫قبله كما قال تعاىل‪{ :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ} (‪ ، )1‬قال ابن زيد(‪:)2‬‬
‫ليس يف دين امللك أن يؤخذ السارق بسرقته‪ .‬قال‪ :‬وكان احلكم عند األنبياء‪،‬‬
‫يسرتق‪ .‬اهـ‬
‫ّ‬ ‫بدا‬
‫يعقوب وبنيه‪ ،‬أن يؤخذ السارق بسرقته ع ً‬
‫أما يف الدميقراطية ال ميكن أن ُخيرج عن القانون احملكوم به ومن خرج عنه‬
‫عوقب‪ ،‬ومن دعاهم إىل حتكيم الشريعة ونبذ القانون الوضعي فهو عندهم‬
‫ضال متخلف رجعي‪ ،‬فهل ميكن ألنصار الدميقراطية أن يكفروا بطاغوت‬
‫القانون وحيكموا حبكم هللا حتت قبة الربملان؟!‬
‫‪ .3‬أن دعواهم هذه فيها طعن يف يوسف عليه السالم واهتامه أبنه حكم‬
‫أقره كما يفعل الدميقراطيون‪ ،‬وهذه الدعوى أشد كفرا من احلكم‬ ‫ابلطاغوت و ّ‬
‫ابلدميقراطية‪ ،‬ألهنا تتضمن نفي العصمة عن نيب هللا تعاىل عليه السالم يف أعظم‬
‫ما بعث به وهو التوحيد‪ ،‬فيوسف عليه السالم كان يصدع به وهو يف السجن‬
‫ويصرح أن احلكم هلل وحده ال شريك فكيف خيالفه بعد خروجه‪ ،‬قال تعاىل‪:‬‬
‫{ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﭑ ﭒ ﭓ‬
‫ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ‬
‫ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ‬
‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.40:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪.)200/11‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪138‬‬

‫ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ } ( ‪، )1‬‬
‫‪ .4‬وهذه الفرية على يوسف عليه السالم من جنس ما اتُّـهم به من امرأة العزيز‬
‫وبرأه هللا منها‪ ،‬ليأيت اليوم الدميقراطيون ويفرتوا على نيب هللا يوسف عليه السالم‬
‫أبنه فعل كفعلهم مث قاسوا أنفسهم عليه قبحهم هللا‪ ،‬وهم الذين حيكمون بغري‬
‫ما أنزل هللا وحيللون احلرام وحيرمون احلالل ويقرون احلرايت العامة ومنها الكفر‬
‫ابهلل تعاىل‪ ،‬فهل ميكن أن نقول إن يوسف عليه السالم فعل كل هذا؟! حاشا‬
‫وكال‪ ،‬إن هي إال أابطيل اخرتعوها ما أنزل هللا هبا من سلطان‪.‬‬
‫‪ .5‬أنه قد ورد عن بعض السلف أن امللك قد أسلم على يد يوسف عليه‬
‫السالم‪ ،‬كما قال روي ذلك عن جماهد وغريه قوله(‪ :)2‬فلم يزل يوسف عليه‬
‫ال سالم يدعو امللك إىل اإلسالم ويتلطف له حىت أسلم امللك وكثري من الناس‪.‬‬
‫ا هـ‬
‫فهل دعا أنصار الدميقراطية أعضاء الربملان إىل اإلسالم والتوحيد والكفر‬
‫ابلطاغوت واحلكم مبا أنزل هللا أم أهنم رضوا وخنعوا وانقادوا هلم‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44-14:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري البغوي (‪.)242/4‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪139‬‬

‫فصل‬
‫شبهات حول االنتخاابت‬
‫‪ ‬الشبهة األوىل‪:‬‬
‫قوهلم االنتخاب عبارة عن تصويت واختيار وليس من العبادات حىت يكون‬
‫فيه شرك ابهلل‪.‬‬
‫اجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن اختيار احلاكم وطريقة تنصيبه عبادة شرعية بـُيّنت أحكامها يف الكتاب‬
‫والسنة وذكرت صفات احلاكم وواجباته وشروطه ومىت ينعزل وحنو هذا من‬
‫أحكام اإلمامة‪ ،‬فيكف جنعل اال نتخاابت وهي (عملية الختيار احلكام‬
‫املشرعني) أمرا دنيواي ال مدخل للعبادات فيه‪ ،‬بل حىت على القول الباطل عند‬
‫جيوزها فإنه جيعل حكمها الوجوب الذي يستحق العقاب اتركه‪ ،‬ويدخلها‬ ‫من ّ‬
‫يف ابب الشهادة اليت أيمث كامتها‪ ،‬وهذا يدل على أهنم يعدوهنا عبادة عندهم‪.‬‬
‫‪ .2‬كوهنا من الشرك ابهلل هو أن الناخب خيتار من ينوب عنه يف العمل‬
‫اب لدميقراطية عن طريق الدستور‪ ،‬والدميقراطية غري املباشرة خيتار الشعب فيها‬
‫من ينوب عنه مث له حق النقد واالعرتاض‪ ،‬ومن هذا الوجه كان عمل النائب‬
‫يف الربملان عمال للناخب يف األصل وإمنا انب عنه بناء على هذا النظام‪ ،‬وملا‬
‫كان الربملاين يشرك ابهلل يف حكمه ويتحاكم للطاغوت كان هذا أيضا حكم‬
‫وفوضه وكان سببا يف شركه‪ ،‬والقاعدة الشرعية تقول‪:‬‬
‫من اختاره ألنه أانبه منابه ّ‬
‫(املتسبب له حكم املباشر إذا شاركه يف العمل) وكذلك (الردء له حكم املباشر)‬
‫فالناخب ردءٌ ومتسبب رئيسي يف جعل ذلك النائب مشرعا مع هللا بناء على‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪141‬‬

‫أن السيادة يف األصل للشعب وإمنا النائب قام مقامه‪ ،‬ولوال انتخابه ملا كان‬
‫انئبا‪ ،‬فكان وجود النائب متوقفا على الناخب‪ ،‬مث من انحية أخرى فإن‬
‫الناخب يتخذ هؤالء النواب ليكونوا مطاعني يف التشريع والتحليل والتحرمي‪،‬‬
‫وهذا هو شرك الطاعة وهو اختاذ ٍ‬
‫ند هلل تعاىل يطاع كطاعة هللا تعاىل يف التحليل‬
‫والتحرمي‪.‬‬
‫‪ .3‬تسمية االنتخاب تصويت ال يغري من حقيقتها‪ ،‬فإن العربة ابحلقائق واملعاين‬
‫ال ابألمساء واملباين‪ ،‬وما هذا إال من تزيني الشيطان ليظهر الباطل احملرم يف‬
‫صورة احلق اجلائز‪ ،‬منها ما ذكره ابن القيم رمحه هللا(‪ :)1‬ومن أنواع الشرك سجود‬
‫املريد للشيخ‪ ،‬فإنه شرك من الساجد واملسجود له‪ ،‬والعجب أهنم يقولون ليس‬
‫هذا بسجود‪ ،‬وإمنا هو وضع الرأس قدام الشيخ احرتاما وتواضعا‪ ،‬فيقال هلؤالء‬
‫ولو مسيتموه ما مسيتموه‪ ،‬فحقيقة السجود وضع الرأس ملن يسجد له‪ ،‬وكذلك‬
‫السجود للصنم‪ ،‬وللشمس‪ ،‬وللنجم‪ ،‬وللحجر‪ ،‬كله وضع الرأس قُ َّدامه‪ .‬اهـ‬
‫فكذلك يقال ألهل الدميقراطية لو مسيتم االنتخاابت ما مسيتم فحقيقتها اختيار‬
‫مشرعني من دون هللا تعاىل بناء على الدستور الوضعي‪.‬‬

‫(‪ )1‬مدارج السالكني (‪.)524/2‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪141‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثانية‪:‬‬
‫القول أبن االنتخاابت من الشهادة وال جيوز كتماهنا إذا وجبت‪.‬‬
‫اجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن حقيقة االنتخاابت ختتلف عن حقيقة الشهادة‪ ،‬فإن االنتخاب تفويض‬
‫للمنتخب أن يعمل يف اجمللس التشريعي وفق القانون‪ ،‬نعم قد‬ ‫َ‬ ‫من الناخب‬
‫يقال أ ّن التفويض فيه نوع شهادة من الناخب ملن انتخبه‪ ،‬ولكن ال يعين أن‬
‫تكون االنتخاابت كالشهادة من كل وجه حبيث تعطى أحكامها‪.‬‬
‫‪ .2‬أن االنتخاابت من حقيقة الدميقراطية‪ ،‬والشهادة حكم شرعي‪ ،‬فكيف‬
‫يقاس ما هو ابطل على ما هو مندوب أو واجب‪ ،‬فهذا قياس مع الفارق‬
‫الختالف احلقائق‪.‬‬
‫‪ .3‬أن الشهادة تكون فيما هو جائز شرعا‪ ،‬فال جيوز أن يشهد على ابطل‪،‬‬
‫تنزال أبهنا شهادة‪ ،‬فإهنا شهادة زور‪ ،‬ألن الناخب يشهد‬ ‫واالنتخاابت لو قيل ّ‬
‫املنتخب ألن يكون حاكما ومشرعا من دون هللا وفق الدستور‪ ،‬وهذا‬ ‫بصالح َ‬
‫أبطل الباطل وأشد الزور‪ ،‬فإن كانت شهادة الزور حمرمة ألهنا شهادة على‬
‫كذب‪ ،‬فالشهادة ملن يشرع من دون هللا أشد حترميا ألهنا شهادة ملن سيفعل‬
‫الشرك‪.‬‬
‫وحترتم فيها‬
‫‪ .4‬أن االنتخاابت تقوم على االعرتاف ابخلصم ولو كان مشركا‪ُ ،‬‬
‫النتائج مهما كانت‪ ،‬وال يصح أن يعرتض على الفائز املشرك أو العلماين أو‬
‫النصراين‪ ،‬فهل يوجد هذا يف الشهادة؟!‬
‫فوضوا املرشحني للحكم وفقا‬ ‫‪ .5‬أن االنتخاابت يشارك فيها كل الناس ليُ ِّ‬
‫للدميقراطية‪ ،‬وأما الشهادة يف أحكام اإلمامة يف اإلسالم فتكون ألهل احلل‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪142‬‬

‫والعقد‪ ،‬وهم الذين يشهدون أبن فالان من خري الناس وأصلحهم للحكم وفقا‬
‫للضوابط الشرعية يف ذلك‪.‬‬
‫‪ .6‬القول أبن االنتخاابت شهادة لألصلح‪ ،‬إن عُين به الصالح الشرعي فهذا‬
‫ابطل‪ ،‬ألن املرشح ال ميكن أن يكون صاحلا البتة وهو يقبل ابلدميقراطية نظاما‬
‫للحكم‪ ،‬ويعمل مع العلمانيني الذي ينبذون أحكام الدين‪ ،‬ويوافق على العمل‬
‫ابلدستور الوضعي‪ ،‬فأين الصالح مع هذا كله‪ ،‬فهي يف حقيقتها شهادة ألفسد‬
‫اخللق وأشرار الناس أن يكونوا حكاما ومشرعني من دون هللا تعاىل‪ ،‬فكيف‬
‫يقال خيتار أصلحهم؟!‬
‫‪ .7‬أن االنتخاابت لو تنزال قيل أبهنا شهادة‪ ،‬فإهنا شهادة ملن يرشح نفسه‬
‫للحكم وحيرص على اإلمارة‪ ،‬وسؤال اإلمارة ال جيوز شرعا كما قال ﷺ لعبد‬
‫الرمحن بن مسرة رضي هللا عنه(‪" :)1‬اي عبد الرمحن بن مسرة‪ ،‬ال تسأل اإلمارة‪"...‬‬
‫احلديث‪.‬‬
‫وعن أيب موسى رضي هللا عنه قال(‪ :)2‬دخلت على النيب صلى هللا عليه وسلم‬
‫أان ورجالن من قومي‪ ،‬فقال أحد الرجلني‪ :‬أمران اي رسول هللا‪ ،‬وقال اآلخر‬
‫مثله‪ ،‬فقال‪" :‬إان ال نويل هذا من سأله‪ ،‬وال من حرص عليه"‪.‬‬
‫يوىل من حرص على اإلمارة وسعى هلا‪ ،‬فهو يف‬ ‫فإن كان يف اإلسالم ال ّ‬
‫الدميقراطية أش ّد ألن املرشح حيرص على أن يكون مشرعا من دون هللا وحاكما‬
‫بغري ما أنزل هللا ولو ادعى غري ذلك فإن حقيقة عمله كذلك‪ ،‬لذلك من يرشح‬

‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ 218/4‬رقم ‪ )0022‬ومسلم (‪ 1241/1‬رقم ‪.)1042‬‬


‫(‪ )2‬أخرجه البخاري (‪ 114/4‬رقم ‪ )4145‬ومسلم (‪ 1440/1‬رقم ‪.)1411‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪143‬‬

‫نفسه للدخول يف اجملالس التشريعية‪ ،‬الواجب أن يبغض ويعادى ويك ّفر بفعله‪،‬‬
‫ال أن يشهد له أنه يصلح للحكم؟!‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪144‬‬

‫فصل‬
‫حكم التحاكم للمحاكم والقوانني الوضعية‬

‫أوال‪ :‬حكم القوانني الوضعية‪:‬‬


‫القوانني الوضعية اليت يضعها البشر واملوجودة اليوم هلا صوراتن‪:‬‬
‫‪ .1‬القوانني التشريعية‪.‬‬
‫‪ .2‬القوانني اإلدارية التنظيمية‪.‬‬
‫‪ ‬أما القوانني التشريعية فهي كفر ابهلل تعاىل‪ ،‬ألهنا منازعةٌ هلل تعاىل يف شيء‬
‫شرعون القوانني‬
‫التشريع وهو من خصائص هللا تعاىل‪ ،‬وقد مسّى هللا تعاىل الذين ي ّ‬
‫بناء على النظام الدميقراطي أرابابً وشركاءَ ألهنم حيللون احلرام وحيرمون احلالل‪.‬‬
‫{ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ } ( ‪. )1‬‬ ‫قال تعاىل‪:‬‬
‫وقال تعاىل‪{ :‬ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ‬
‫ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ‬
‫ﯯ ﯰ ﯱ } ( ‪. )2‬‬
‫منزلة الدين‪ ،‬وجيعلوهنا النظام الذي‬
‫مشرعوها ّ‬
‫ينزهلا ّ‬‫وهذه القوانني التشريعية ّ‬
‫ويلزمون الناس ابالنقياد هلا‪ ،‬ومن خرج عنها أو‬
‫جيب أن حيتكم له اجلميع‪ُ ،‬‬
‫حاد فإنه معاقب بنص‪ ،‬وهذا جيعلها دينا متبعا‪ ،‬ألن الدين يراد به الطاعة‬

‫(‪ )1‬سورة الشورى‪.21:‬‬


‫(‪ )2‬سورة التوبة‪.11:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪145‬‬

‫(‪)1‬‬
‫والنظام والشريعة املتبعة كما يف قوله تعاىل‪{ :‬ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ}‬
‫‪.‬‬
‫أقرها أو حتاكم هلا فهو مؤمن بدين‬
‫شرع هذه القوانني أو آمن هبا و ّ‬ ‫فمن ّ‬
‫الطاغوت كافر بدين هللا تعاىل‪.‬‬
‫ومن صور احلكم ابلقوانني الوضعية اليوم‪:‬‬
‫‪ .1‬اجملالس التشريعية (الربملاانت)‪.‬‬
‫‪ .2‬احملاكم الوضعية على اختالف أنواعها‪( :‬حماكم عامة ‪ -‬حماكم عسكرية –‬
‫حماكم جتارية – حماكم أحوال شخصية – حماكم دستورية)‪.‬‬
‫‪ ‬أما النظام اإلداري‪ :‬فهو ا لقوانني اليت توضع لتنظيم األعمال وترتيبها وال‬
‫عالقة ابألحكام الشرعية‪ ،‬وهي مباحة يف األصل إال أن تكون خمالفة للشريعة‪.‬‬
‫اثنيا‪ :‬حكم التحاكم للمحاكم الوضعية‪:‬‬
‫تتكون كل قضية ترفع للمحاكم الوضعية من متحاكم (امل ّدعي) ومطلوب‬
‫للتحاكم (مدعى عليه)‪.‬‬
‫فأما املتحاكِم‪ :‬وهو املدعي الذي يرفع القضية عند احملكمة الوضعية طلبا حلقه‪،‬‬
‫إن فعل ذلك خمتارا غري مكره فهو كافر ابهلل مؤمن ابلطاغوت‪ ،‬وال يشرتط‬
‫الرضى أو االعتقاد أو االستحالل للتحاكم حىت يكفر‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.40:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪146‬‬

‫{ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬ ‫والدليل قوله تعاىل‪:‬‬


‫ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ‬
‫ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ } ( ‪. )1‬‬
‫‪ ‬مسألة‪:‬‬
‫إذا تعلّل املتحاكم أبنه مضطر‪ ،‬فال جيوز له التحاكم إذ ال يُـبيح االضطرار فعل‬
‫الكفر‪ ،‬ألن التحاكم من العبادات اليت ال جيوز صرفها لغري هللا تعاىل‪ ،‬ومن‬
‫صرف منها شيئا لغري هللا فهو كافر مشرك‪ ،‬وليست الضرورة سببا جلوازها‪ ،‬قال‬
‫شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)2‬احملرمات قسمان‪:‬‬
‫أحدمها‪" :‬ما يقطع أبن الشرع مل يبح منه شيئا ال لضرورة وال لغري ضرورة‪،‬‬
‫كالشرك والفواحش والقول على هللا بغري علم والظلم احملض‪ ،‬وهي األربعة‬
‫{ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬ ‫املذكورة يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ}‪ .‬اهـ‬
‫وأما املطلوب للتحاكم وهو املدعى عليه‪:‬‬
‫وهو الذي ترفع عليه القضية يف احملاكم الوضعية ويطالب ابحلضور‪.‬‬
‫‪ ‬فإن كان خمتارا فإن حضوره جملس القضاء وحتاكم للمحكمة فيصري مبنزلة‬
‫رافع الدعوى املتحاكم‪ ،‬ألن النزاع سيفض بينهم ابلقانون الوضعي وهو ملزم‬
‫بطاعة احلكم مبوجب القانون‪ ،‬والتحاكم له وااللتزام به كفر ابهلل تعاىل‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬


‫(‪ )2‬جمموع الفتاوى (‪.)444/14‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪147‬‬

‫ومن قال ابجلواز حمتج ا بفعل إبراهيم عليه السالم يف دفاعه عن نفسه أمام‬
‫املشركني أو بفعل يوسف عليه السالم يف دفاعه عن نفسه ملا اهتم‪ ،‬ال يصح‬
‫استدالله للوجوه اآلتية‪:‬‬
‫‪ .1‬أن صورة الدليل غري الصورة املستدل عليها‪ ،‬وعليه فالقياس ابطل‪.‬‬
‫يء‬ ‫ج‬‫‪ .2‬أن إبراهيم ويوسف عليهما الصالة والسالم مل يذهبا ابختيارمها بل ِ‬
‫َ‬
‫{ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ‬ ‫هبما‪ ،‬قال تعاىل يف إبراهيم عليه السالم‪:‬‬
‫{ﮃ ﮄ ﮅ‬ ‫ﭲ ﭳ} (‪ ، )1‬وقال يف يوسف عليه السالم‪:‬‬
‫ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ‬
‫ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} (‪ ، )2‬فلم يذهب بل قُ ّدر له أن جيد امللك أمام الباب‪ ،‬وحيصل‬
‫فصل النزاع آنذاك‪.‬‬
‫‪ .3‬أن إبراهيم ويوسف عليهما الصالة والسالم دافعا عن نفسيهما بغري القانون‬
‫الوضعي‪ ،‬فأما إبراهيم عليه السالم فقد دافع عن نفسه ابلتوحيد كما قال‬
‫{ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ‬ ‫تعاىل‪:‬‬
‫ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋ‬
‫ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ‬
‫ﮙﮚﮛﮜﮝ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ‬
‫ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ} (‪، )3‬‬

‫(‪ )1‬سورة األنبياء‪.01:‬‬


‫(‪ )2‬سورة يوسف‪.24:‬‬
‫(‪ )1‬سورة األنبياء‪.04-02:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪148‬‬

‫{ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ } ( ‪. ) 1‬‬ ‫وأما يوسف عليه السالم فقد قال‪:‬‬


‫و(امل ّدعى عليه) يف احملكمة الوضعية يلزم ابلدفاع عن نفسه مبا يوافق القانون‬
‫أو يطالب بتوكيل حمام يدافع عنه ابلقانون الوضعي‪.‬‬

‫‪ ‬وأما إن كان (املدعى عليه) مكرها على احلضور كالسجني يؤخذ‬


‫للمحكمة‪ ،‬فإن كره بقلبه فال شيء عليه ذلك‪ ،‬ألنه ُحوكِم رغما عنه بغري‬
‫رضاه واختياره‪.‬‬

‫واخلالصة‪ :‬أنه ال جيوز مطلقا التحاكم للطاغوت سواء كان املتحاكم مدعيا‬
‫أو مدعى عليه‪ ،‬وسواء كان خمتارا أو مضطرا إال املكره‪ ،‬فمن حتاكم ومل يكن‬
‫مكرها فقد خلع ربقة اإلسالم من عنقه وصار من املرتدين‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.20:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪149‬‬

‫فصل‬
‫شبهات التحاكم للمحاكم الوضعية‬

‫‪ ‬الشبهة األوىل‪:‬‬
‫قوهلم جيوز التحاكم للطاغوت اضطرارا ودليله قول يوسف عليه السالم‬
‫{ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ } ( ‪. )1‬‬ ‫فيما حكاه هللا عنه‪:‬‬
‫واجلواب عليه من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬أن قول يوسف عليه السالم ليس حتاكما وال طلبا للتحاكم وال توكيال ٍ‬
‫حملام‬
‫عنه كما حيصل يف احملاكم الوضعية‪ ،‬إمنا هو طلب من أحد الناجني ممن ُسجن‬
‫معه أن يذكر أمره أمام امللك‪ ،‬وأنه سجن ظلما‪ ،‬وهذا خطاب من سجني‬
‫لساجنه يدافع فيه عن نفسه‪ ،‬وهذا ليس حتاكما أو إقرارا بقانون وضعي‪ ،‬قال‬
‫ابن جرير الطربي رمحه هللا(‪ :)2‬اذكرين عند سيدك‪ ،‬وأخربه مبظلميت وأين حمبوس‬
‫بغري ُج ْرم‪ .‬اهـ‬
‫‪ .2‬إن قيل أنّه طلب حتاكم فإن يوسف عليه السالم كان سجينا عندهم ومل‬
‫يذهب بنفسه ليتحاكم هلم‪ ،‬وليس كمن كان حرا وذهب ليتحاكم للمحكمة‬
‫الوضعية‪ ،‬فالقياس عليه ابطل‪.‬‬
‫‪ .3‬أن املتحاكم للمحكمة الوضعية يرتافع هلم وهو يعلم أهنم سيحكمون‬
‫ابلقانون الوضعي‪ ،‬وهذا طلب للحق عن طريق حكم الطاغوت‪ ،‬وليس يف‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.42:‬‬


‫(‪ )2‬تفسري الطربي (‪.)105/11‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪151‬‬

‫فعل يوسف عليه السالم طلب حقه عن طريق حكم الطاغوت‪ ،‬بل غاية فعله‬
‫عليه السالم أنه اهتم فدفع التهمة عن نفسه مبا أابحه هللا‪ ،‬فلما مل يقبلوا منه‬
‫حكموا ب سجنه‪ ،‬وملا سجن استمر مدافعا عن نفسه مبا أابحه هللا وليس عن‬
‫طريق القانون وحكم الطاغوت‪.‬‬
‫‪ .4‬أن هذه الدعوى فيها طعن يف عصمة نيب هللا يوسف عليه السالم‪ ،‬إذ‬
‫كيف يقال عنه أنه حتاكم للطاغوت‪ ،‬وهو الذي قد قرر مرارا يف السجن‬
‫{ﰆ ﰇ‬ ‫وخا رجه دعوة التوحيد وأن احلكم هلل وحده ال شريك قال تعاىل‪:‬‬
‫ﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﭑﭒﭓﭔ‬
‫ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ‬
‫ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ‬
‫ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ‬
‫ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬
‫ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ} (‪ ، )1‬فهل بعد هذا التقرير والتأكيد على مقام‬
‫التوحيد يقال أ ّن يوسف عليه السالم طلب حتاكم للطاغوت‪ ،‬سبحانك هذا‬
‫هبتان عظيم!‬
‫‪ .5‬أن قصة سجن يوسف عليه السالم ال تقاس أبي حال من األحوال مبا‬
‫حيصل يف احملاكم الوضعية‪ ،‬ففيها حيضر طرفا القضية وجيلس القاضي ليحكم‬
‫بينهم ابلقانون الوضعي ويـَمنَع خمالفته أثناء اجللسة ويُل ِزم الطرفني به‪ ،‬وكالمها‬
‫قد أتى للتحاكم بغري إكراه‪ ،‬أما يوسف عليه السالم وامرأة العزيز وجدا امللك‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44-14:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪151‬‬

‫عند الباب وهو الزوج‪ ،‬فحصل ما حصل مما حكاه هللا تعاىل‪ ،‬ومل تعقد جلسة‬
‫حماكمة كما يف احملاكم الوضعية‪ ،‬مث اهتم يوسف عليه السالم فدفع التهمة عن‬
‫نفسه ابملباح‪ ،‬دون أن يُ َلزم بقانون امللك‪ ،‬ومل يذهب هو ليدافع عن نفسه‬
‫أمامه كما يذهب املتحاكم للمحكمة الوضعية‪ ،‬وملا ُسجن استمر يف الدفاع‬
‫عن نفسه دون التزام ابلقانون‪ ،‬بل حىت ملا طلبه امللك ليسمع منه أتويل الرؤاي‬
‫مل خيرج له حىت تظهر براءته‪ ،‬وبعث له من يذكر له دالئل ذلك دون حتاكم‬
‫{ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ‬ ‫لقانون امللك أو أي قانون وضعي آخر‪ ،‬قال تعاىل‪:‬‬
‫ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ‬
‫ﯡ ﯢ} (‪ ، )1‬فأين وجه الشبه بني هذه القصة وبني التحاكم للمحاكم‬
‫الوضعية اليوم؟!‪ ،‬وما القياس عليها إال ضرب من التكلف ال غري‪.‬‬

‫(‪ )1‬سورة يوسف‪.44:‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪152‬‬

‫‪ ‬الشبهة الثانية‪:‬‬
‫قوهلم التحاكم جيوز اضطرارا لعدم وجود حمكمة شرعية‪ ،‬والشريعة ال ترتك‬
‫احلقوق تضيع دون أن يكون هلا حكم يف مثل هذا الواقع‪.‬‬
‫اجلواب عليها من وجوه‪:‬‬
‫‪ .1‬إذا تقرر أن التحاكم عبادة‪ ،‬فإن العبادة ال جيوز أن تصرف لغري هللا تعاىل‬
‫ال لضرورة وال لغري ضرورة‪ ،‬ألن الشرك والكفر ال يباح ابلضرورة‪ ،‬قال شيخ‬
‫اإلسالم ابن تيمية رمحه هللا(‪ :)1‬احملرمات قسمان‪:‬‬
‫أحدمها‪" :‬ما يقطع أبن الشرع مل يبح منه شيئا ال لضرورة وال لغري ضرورة‪،‬‬
‫كالشرك والفواحش والقول على هللا بغري علم والظلم احملض‪ ،‬وهي األربعة‬
‫{ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ‬ ‫املذكورة يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ} (‪ . )2‬اهـ‬
‫‪ .2‬من جييز التحاكم للمحاكم الوضعية ضرورة إن كان مقرا أبن التحاكم‬
‫عبادة‪ ،‬فهو سيضطرب ألنه سيمنع صرف غريه من العبادات لغري هللا ضرورة‬
‫كالدعاء والسجود‪ ،‬وال ميكنه طرد قوله‪ ،‬وعدم اطراد األصل على كل الصور‬
‫دليل على فساده‪ ،‬ألن األصل الذي بين عليه هذا احلكم عنده أن االضطرار‬
‫أجاز صرف عبادة التحاكم لغري هللا‪ ،‬وطردها أن يقول جبواز ذلك يف كل ما‬
‫صح عليه وصف العبادة‪ ،‬فيجيز صرفها لغري هللا حالة االضطرار‪ ،‬وهو ال يقول‬
‫بذلك‪ ،‬وهذا يرجع على أصله ابإلبطال‪.‬‬

‫(‪ )1‬جمموع الفتاوى (‪.)444/14‬‬


‫(‪ )2‬سورة األعراف‪.11:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪153‬‬

‫إال أن يقول التحاكم ليس عبادة وهذا يبطل قوله أيضا‪ ،‬ألنه إن مل يكن عبادة‬
‫كيف جيعله حمرما يف األصل مث جييزه اضطرارا‪ ،‬فالتحرمي حكم شرعي وامتثاله‬
‫عبادة‪ ،‬ومما يدل على أن هللا تعاىل جعل التحاكم عبادة‪ ،‬أنه أمر ابلكفر‬
‫{ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ‬ ‫ابلطاغوت وترك التحاكم له يف قوله تعاىل‪:‬‬
‫ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ} ‪ُ ،‬‬
‫فح ْك ُم التحاكم للطاغوت التحرمي‪ ،‬ومرتبة حترميه‬ ‫( ‪)1‬‬

‫داخلة يف أصل اإلميان الذي يُنفى اإلميان عمن أخل به‪ ،‬ولذلك نفى اإلميان‬
‫عمن ترك التحاكم له وحتاكم للطاغوت‪ ،‬واألمر والنهي هو حد العبادة شرعا‪.‬‬
‫‪ .3‬أن إظهار الكفر والشرك مل جيزه هللا تعاىل إال للمكره إكراها حقيقيا ملجئا‪،‬‬
‫قال ابن حجر رمحه هللا(‪ :)2‬وشروط اإلكراه أربعة‪:‬‬
‫األول‪ :‬أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به واملأمور عاجزا عن الدفع‬
‫ولو ابلفرار‪.‬‬
‫الثاين‪ :‬أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك‪.‬‬
‫الثالث ‪ :‬أن يكون ما هدده به فوراي فلو قال إن مل تفعل كذا ضربتك غدا ال‬
‫يعد م كرها ويستثىن ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة أبنه ال خيلف‪.‬‬
‫الرابع‪ :‬أ ْن ال يظهر من املأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزان فأوجل‬
‫وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت فيتمادى حىت ينزل‪ .‬اهـ‬

‫(‪ )1‬سورة النساء‪.04:‬‬


‫(‪ )2‬فتح الباري (‪.)211/10‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪154‬‬

‫وهبذه الشروط خيالف اإلكراهُ الضرورَة ‪ ،‬فاملتحاكم لضرورة ليس مهددا على‬
‫التحاكم وقادر على الدفع عن نفسه بغري التحاكم‪ ،‬وهو خمتار يف فعله غري‬
‫جمرب‪ ،‬فبطل قول من جعل صورة الضرورة كصورة اإلكراه‪.‬‬
‫‪ .4‬قوهلم أبن الشريعة ال ترتك حقوق الناس تضيع‪ ،‬نقول نعم‪ ،‬مل ترتك هذه‬
‫احلالة دون حكم يف شرع هللا‪ ،‬بل أوجبت جهاد الطواغيت الذين حيكمون‬
‫ابل قوانني الوضعية السرتداد احلقوق وأعالها حق حتكيم الشريعة‪ ،‬لكن الناس‬
‫كثري منهم قد ترك هذا الواجب وأخلد إىل األرض‪ ،‬وذهب يبحث عن أعذار‬
‫يكيّف هبا عيشه يف هذا الواقع قاعدا عن جهاد الطواغيت‪ ،‬وما ضياع حقوقهم‬
‫إال بسبب قعودهم‪.‬‬
‫قال الشيخ سليمان بن سحمان رمحه هللا(‪:)1‬‬
‫ومن ذلك أنه إذا قيل ألهل الطاغوت‪ :‬ارجعوا إىل حكم هللا ورسوله‪ ،‬واتركوا‬
‫أحكام الطواغيت‪ ،‬قالوا‪ :‬إان ال نفعل ذلك إال خوفا من أن يقتل بعضنا بعضا‪،‬‬
‫فإين إذا مل أوافق صاحيب‪ ،‬على التحاكم إىل "شرع الرفاقة" قتلين أو قتلته‪.‬‬
‫فاجلواب أن نقول‪ :‬يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية‪ ،‬بتقرير ثالثة مقامات‪:‬‬
‫املقام األول‪ :‬أن الفساد الواقع يف األرض‪ ،‬من قتل النفوس‪ ،‬وهنب األموال‪،‬‬
‫{ﯾ‬ ‫إمنا هو بسبب إضاعة أوامر هللا‪ ،‬وارتكاب نواهيه‪ ،‬كما قال تعاىل‪:‬‬
‫ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ } ( ‪. )2‬‬

‫(‪ )1‬الدرر السنية (‪ )448/14‬خمتصرا‪.‬‬


‫(‪ )2‬سورة الروم‪.41:‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪155‬‬

‫أخرب تعاىل أن ظهور الفساد يف البادية واحلاضرة‪ ،‬سببه أعماهلم‪ ،‬فلو أهنم عبدوا‬
‫رهبم‪ ،‬وحكموا نبيهم ﷺ‪ ،‬لصلحت أحواهلم‪ ،‬ومنت أمواهلم وأنفسهم‪ .‬اهـ‬
‫‪ .5‬ال يصح القول أبن مقاصد الشريعة يف حفظ أموال الناس وأنفسهم تبيح‬
‫هلم التحاكم للقوانني الوضعية عند ضياع هذه احلقوق بدعوى ضرورة‬
‫اسرتدادها‪ ،‬ألن أعلى مقاصد الشريعة هو حفظ الدين وأصله التوحيد وهو‬
‫مقدم على كل مقصد‪ ،‬فال يؤخر ويقدم غريه بدعوى الضرورة‪ ،‬بل ذهاب املال‬
‫أوىل من ضياع الدين ابلتحاكم للطاغوت‪.‬‬
‫قال الشيخ سليمان بن سحمان رمحه هللا يف جوابه على من أتى ابلشبه‬
‫السابقة(‪:)1‬‬
‫املقام الثاين‪ :‬أن يقال‪ :‬إذا عرفت أن التحاكم إىل الطاغوت كفر‪ ،‬فقد ذكر هللا‬
‫يف كتابه أن الكفر أكرب من القتل‪ ،‬قال‪{ :‬ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ}‪ ،‬والفتنة‬
‫هي الكفر‪ ،‬فلو اقتتلت البادية واحلاضرة‪ ،‬حىت يذهبوا‪ ،‬لكان أهون من أن‬
‫ينصبوا يف األرض طاغوات‪ ،‬حيكم خبالف شريعة اإلسالم‪ ،‬اليت بعث هللا هبا‬
‫رسوله صلى هللا عليه وسلم‪.‬‬
‫املقام الثالث‪ :‬أن نقول إذا كان هذا التحاكم كفرا‪ ،‬والنّزاع إمنا يكون ألجل‬
‫الدنيا‪ ،‬فكيف جيوز لك أن تكفر ألجل ذلك؟ فإنه ال يؤمن اإلنسان‪ ،‬حىت‬
‫يكون هللا ورسوله أحب إليه مما سوامها‪ ،‬وحىت يكون الرسول أحب إليه من‬
‫ولده ووالده والناس أمجعني‪.‬‬

‫(‪ )1‬الدرر السنية (‪.)414/14‬‬


‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪156‬‬

‫فلو ذهبت دنياك كلها‪ ،‬ملا جاز لك احملاكمة إىل الطاغوت ألجلها‪ ،‬ولو‬
‫اضطرك مضطر وخريك‪ ،‬بني أن حتاكم إىل الطاغوت‪ ،‬أو تبذل دنياك‪ ،‬لوجب‬
‫عليك البذل‪ ،‬ومل جيز لك احملاكمة إىل الطاغوت‪ .‬اهـ‬
‫‪ .6‬أن من يعلق جواز التحاكم للمحاكم الوضعية بعدم وجود حماكم شرعية‪،‬‬
‫قد أخطأ يف تنقيح مناط الكفر يف التحاكم‪ ،‬فإن التحاكم كفر ألنه صرف‬
‫عبادة لغري هللا‪ ،‬واملتحاكم للقانون مطيع له ملتزم وإال ملا ذهب للتحاكم‪ ،‬وهذه‬
‫الطاعة شرك ابهلل تعاىل‪ ،‬وهي كفر يف كل حال‪ ،‬سواء وجدت حمكمة شرعية‬
‫أم مل توجد‪.‬‬
‫‪ .7‬القول بعدم إمكان اسرتداد احلقوق إال عن طريق احملاكم الوضعية وأن هذا‬
‫قول ابطل‪ ،‬لوجود طرق أخرى ميكن رد احلقوق هبا دون التحاكم‬ ‫ضرورة‪ٌ ،‬‬
‫للمحاكم الوضعية‪ ،‬كتحكيم أهل العلم واحلكمة أو أهل اخلري والصالح‪ ،‬وال‬
‫خيلو منهم بلد وهلل احلمد‪ ،‬فليست هنالك ضرورة للتحاكم للمحاكم الوضعية‬
‫إذا‪.‬‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪157‬‬

‫‪²‬‬
‫الصفحة‬ ‫العنوان‬
‫‪1‬‬ ‫املقدمة‬
‫‪6‬‬ ‫منزلة احلكم مبا أنزل هللا من الدين‬
‫‪13‬‬ ‫شبهات املبتدعة حول احلكم بغري ما أنزل هللا‬
‫‪13‬‬ ‫فصل يف بيان معىن الشبهة وأسباهبا‬
‫‪22‬‬ ‫شبهات حول احلكم بغري ما أنزل هللا‬
‫‪22‬‬ ‫الشبهة األوىل‬
‫‪34‬‬ ‫الشبهة الثانية‬
‫‪43‬‬ ‫الشبهة الثالثة‬
‫‪65‬‬ ‫الشبهة الرابعة‬
‫‪77‬‬ ‫الشبهة اخلامسة‬
‫‪89‬‬ ‫فصل يف بعض شبهات املعاصرين اليت يتكئ عليها املرجئة‬
‫‪112‬‬ ‫فصل يف حترير قول شيخ اإلسالم يف احلاكم بغري ما أنزل هللا‬
‫‪115‬‬ ‫فصل يف الرد على شبهات جموزي الدميقراطية‬
‫‪119‬‬ ‫الشبهة األوىل‬
‫‪125‬‬ ‫الشبهة الثانية‬
‫‪127‬‬ ‫الشبهة الثالثة‬
‫‪133‬‬ ‫الشبهة الرابعة‬
‫‪136‬‬ ‫الشبهة اخلامسة‬
‫‪139‬‬ ‫فصل شبهات حول االنتخاابت‬
‫‪139‬‬ ‫الشبهة األوىل‬
‫نسـفُ الشبهات حول الحكم بشرْعة ربِّ البريات‬
‫‪158‬‬

‫‪141‬‬ ‫الشبهة الثانية‬


‫‪144‬‬ ‫فصل حكم التحاكم للمحاكم والقوانني الوضعية‬
‫‪149‬‬ ‫فصل شبهات التحاكم للمحاكم الوضعية‬
‫‪149‬‬ ‫الشبهة األوىل‬
‫‪152‬‬ ‫الشبهة الثانية‬